13 يوليو، 2024

“غجرية من زمن بعيد” للقاصة : غادة صلاح الدين _ مصر

غجرية من زمن بعيد

أظنه قبل قليل كان يطالع جريدته.
كعادته في صباح كل جمعة يخرج يوسف إلى الحياة، يرتكن إلى قهوته و حرفه المزركش بواقع مرير، يرصد الفكرة، و يتربص بها، فيباغتها قلمه، ويعود للبيت محملاً بهموم الشارع، يجمع أوراقه و أفكاره و يخزنها تحت جلد التكنولوجيا، يحفظها في كل وسائل الحفظ كى يطمئن لعدم ضياعها، فالكتب هي رأس ماله و حياته و ثروته التي ظل يجمع فيها عمره كله، يظل في معركة مع المجاز، و تتلقفه الاستعارات والتشبيهات ويدخل في متاهة اللغة و معاركها، حتى يخرج من حرب الكتابة منتصراً بأبهى الكتب التي تتحدث عن ملح الأرض و التي تواكب مجتمع يعيش قسوة الحياة كل لحظة.
خرج متباهياً بمجموعته القصصية الجديدة؛ ليهديها لصديقته التي تَعودَ على مقابلتها مساء كل يوم؛ ليقرأها لها و يسعد باطرائها و رأيها الذي طالما انصفه.
ولكنه مع أول قصة اندهش من ردة فعلها و عدم مبالاتها، و ارتبك قليلا عله فهم خطأ، أو تكون صديقته على غير ما يرام.
خفض صوته شيئا فشيء، توقف قليلا عن القراءة، ثم سألها على استحياء ما بالك اليوم على غير عادتك أبكِ شيء؟
فردت صديقته مقتضبة: ألم يئن لكَ أن تكتب عن الحب و المشاعر؟ عن الرومانسية المفتقدة في زمن لا يتيح لنا فرصة للحياة، عن أحلام ربما تخجل من الواقع و تتحقق!!
انتبه قليلاً ،و شرد كثيرا،و ذهب إلى ما قبل سنوات يبحث في ذاكرته عن مفردة تائهة في زاوية القلب ، ارتعشت من هذا الحوار، حاول مرارا أن يتذكر فتاة جميلة غجرية المظهر ذات عيون جريئة أحيانا و عميقة معظم الوقت،فتاة إذا تحدثت سكن الكون والتزم الصمت لتسمع الدنيا أعذب الأصوات ،فتاة قليلة الكلام كثيرة البوح بعينيها، ما إن مرت ببال القمر خجل منها و توارى على استحياء،استحضرها ما بين قلبه و قلمه و ترك العنان للحروف في ترجمة مالم يستطيع أن يواجه به أحد، سبقته الفكرة إلى حيث جهاز اللاب توب
ترك صديقته دون أن ينتبه أنه لم يلقِ عليها السلام ،
ودخل إلى صومعته، يبحث و يفتش في مفردات جديدة، لغة أخرى تمس شغاف قلبه، تحرره مرة و تحرقه مرات، تأخذه على محمل الحب لينظر في هاتفه الجوال فإذا برسالة من سيدة أنيقة
تسأل فيها عن اخباره فسألها: من معي؟
فقالت: غجرية من زمن بعيد….
أغلق هاتفه و نزل إلى الشارع تاركا نظارته متجها لصديقته قائلا وجدتها وجدتها.