24 يونيو، 2024

“سبقتنى إلى الجنة” للقاصة : عزة مصطفى عبد العال – مصر

ارشيف

سبقتنى إلى الجنة

قصة قصيرة

1 / صمت مهيب يحاوطه .. مساحات من الفراغ تتعمق كلما توغل بين المقابر .. يحملها بين يديه يعرف الطريق إلى المقبرة الوحيدة الخاوية من مقابر العائلة.
قال له الشيخ بعد أن غسلها وكفنها ” يجب أن تُدفن حيث يُدفن الجسد ” , يسير بثقل ليلة ساهرة ماضية واقفاً بجوار غرفة العمليات فى انتظار الساق التى يبترونها.. يخرج الطبيب ممسكاً بكيس أسود يعطيه له ويطمئنه على استقرار الحالة.
ينظر إليها بحسرة: تلك الساق التى طالما حملتها وهى تصنع لنا الطعام وتغسل لنا الملابس وتنتظر من يتأخر فى الشرفة .. تلك الساق التى كانت تسعى على أرزاقنا .. تلك الساق التى ترك الشقاء بصمته عليها فأصابتها الغرغرينا.
وقف أمام المقبرة يخالجه الألم كيف سيواجهها بالحقيقة ؟ .. يهبط يثنى ركبتيه ويكور جسده كى يمهد الأرض ويساوى التراب, يضع الساق جانباً ويغلق الباب بإحكام ثم يستدير عائداً حتى يتلاشى الفراغ خلفه ويستقبل الطريق المظلم.

2 / فى غرفة الإنعاش الباهتة حيث الأموات الأحياء تحت وطأة الأجهزة الطبية كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهى تبحث عن تلك الساق التى كانت تؤلمها.. عيناه تقطر ملحاً وصوته يتحشرج فى حلقه وهو يقول:
سبقتك إلى الجنة.
عقيمة الكلمات حين لا تعبر عن أعماقنا, دفن وجهه فى صدرها فأطلقت زفرة طويلة وهى تقول:
لست فى حاجة إليها فقد كبرتم.. أليس منكم من يستطيع حملى !!
رفع رأسه وهو يقبل يديها ومن خلفه أخوته ينتحبون فى مشهد حزين, تبسمت كى تخفى آلامها طالبة منهم الرحيل .

3 / وحدها تنظر إلى سقف الغرفة, تطوى ذكريات سعيها الدؤوب فى تربية الأولاد, وتستقبل أيام لا تعرف ماذا تخفى بين طياتها لكنها تعود وتبتسم :
لقد سبقتنى إلى الجنة.