21 يوليو، 2024

” الأشجارُ تودعُ ” للشاعر : موسى حوامدة _ الأردن

موسى

موسى

الأشجارُ تودعُ زوجَها الهَواء

تتلكأُ الجنازة
لعلَّها تصغي لضميرِ صاحبها
ينهضُ شَبحُ الطريق واقفًا
يمدُّ ظلالَه نحو المُشيِّعين
..توقفوا …توقفوا…
لم يشرب المُتَوَفَّى كأسَ الحياة بعد
ولم يتثاءبْ في كفنِه النُعاسُ..
…توقفوا
ظَلِّلوا قلبَه برقة النرجس
امنحوه بعضَ الطيب والبخور
هناك لن يتوارى عنكم طويلًا
يدخل قلوب العائدين من مقبرة الوحشة
……سكون………..هدوء ……………………………………………….توقفوا……….
يقطع الصمت صوت غراب مبحوح يهمس للغبار
الكثرة أكثر فتكًا
طريق اللحد ملتو وسحيق
الخوف ندبة على جبين الندم

توقف أنت أيها الملاك الأزرق..
لا تقرأ على رأسي هذه الكلماتِ المريضةَ
لا تفترض أنك الوصي على الصراط
كل الموتى مؤمنون
كانوا مؤمنين
صاروا اليوم ملاحدة تحت الطين
أسلموا لباريهم أرواحهم عند الشهقة الأخيرة
واعترفوا بعجزهم عن فهم أولى البدايات وآخر النهايات
توقفوا عن الأسئلة
آمنوا.. وأتَّمنوا وأتُمنوا
كل الموتى طيبون
نحن الأحياءَ الشكاكون

الحزن طيب القلب يا ولدي
حين يكون حرًا مثلَ نعشٍ حر
الدموع بريئة تهمي على خدي الزيزفزن
ونحن نمسد إليتي الرعب بأصابع الرجاء
نعتذر عن خطيئة آدم الأولى والثانية

ما الذي اقترفناه يا إلهي لتدفع بنا يد التأويل
ما الذي فعلناه قبل أن نولد لنعاقب بالرأفة والنسيان
ما الذي جنيناه على أبنائنا كي تكون نطفُنا قابلةً للشيطان الرجيم
ما الذي فعلناه لنكون عرانيس ذرة صفراء مخلوعة من حقول المدافن

تنهيدة……
آهةٌ تتسع في صدى الفقد..

يدٌ تقترب من جبهة الطوطم المصاب بالنحول
تثور كائنات الروح
تموت خلجات الجسد
تعوي ذئاب المسرة
تموت ذئاب الحيرة
نحيا ونحيا ثم نموت نحيا بينما الأشجار تودع زوجَها الهواء
تنحني ربة الموسيقى
تدير لنا وجهها الخفي
تومئ أن نبتعد عن بيوت الموتى
فقد آن وقت التعذيب
تضحك ونضحك حتى نصير حطبًا من عظام الكمنجات
تشرد بنوتاتها السحرية
فنصير شعب اللاذكريات
تشبُّ بنا الخديعة
تَجرُّنا من تلابيب حسرتنا
تشعل فينا نار الرغبة الجنسية
لا تحرسنا من شيء
ولا تمنحنا شيئًا
سوى بقايا ظلالنا
في الجحيم
وهياج رغباتنا السرية

هنا نحيا بلا جثث
في النعيم ….
لم نكن نرى أجسادنا الخَرِبة تتمشى بزهو طواويس
أرهقتنا السنوات ودوران الأرض وفق ذلِّ نهاراتها المحتومة لرضا الشمس
مزقتنا الحكمة
حتى صرنا
عداوات ..قبورًا .. نسينا (ود ود أبيك)
وبعثرنا السنابل في دروب الغانيات

اضحكي أيتها الغيمة
قلبي يودُّ عناق السماء
تأبط شمس الظهيرة
اضحكي يتها الأسارير
أحلم بغواية سرية لا تضاهيها المعجزات
اضحكي يتها الجنازة
لكن أخبريني ولو بالايماءة
من الدَّهانُ الألمعي الذي طَلى وجهَ الموت بالبياض
اضحكي..يا غابة الزمن الميت
ربَّ ألوان لم تدركها النعوش
ربَّ نهايات لا تشبه التطمينات الأولى
وبدايات تظلُّ حبيسة في خاتم النفس الأخير

لم تجد القصيدة معنى لحياة
لم تجد معنى لموت
تطيل الوقوف عند الوداع تلو الوداع
لا يحتمل الشعر بلادة السرد
أو حبكة المسرح
حرًا سيمضي
بلا جدوى
بلا نهايات.

تنهض الجنازة
وحدها تتمشى فوق رؤوس المشيعين
تفلت من كفنها
ترفع رأسها تشم قليلًا من الأوكسجين ….
أين الأشجار التي كنت زوجها
أصحيح أن الهواء يموت
يغسل ..
يكفن …
ويدفن حيًا؟