21 يوليو، 2024

“يوتوبيا العالم الثالث” للقاص : هانى موسى _ مصر

هانى

هانى

يوتوبيا العالم الثالث

أحياناً بل قل كثيراً ما يصيبنا الملل والضجر من الروتين
والرتابة التى تسير عليهما بتؤدةٍ خطواتنا مع الأيام وحكاياتنا مع الزمن ؛ نفس الأشخاص الذين نراهم ، ونفس الوجوه تموج بهم و معهم النظرات ! ؛ نفس الدروب بلا عوجا ولا أمتا ؛ بل إن الأحداث تتكرر وكأننا فى مشهدٍ تليفزيونى و يُطلب منا تكراره !
أنا لا أقول لك بعد كل هذا العمر اغضب ، و أعلن ثورتك على هذا العالم المتحرك من حولك ، حتى وإن كانت صورته ضبابية قاتمة لا تستهوي ناظريك، بل أقول لك لا تطلب عالمًا أفضل مما تراه وتعيشه و بداخلك عالم قد ارتسمت فيه تجاعيد السكون واللامبالاة فى بحيرة راكدة مياهها !!

..ان الحقيقة يدركها الجميع (فى هذا العالم الثالث ) ولكننا لا نريد مواجهتها !
باختصار شديد يا صديقى ..
لا تحدثنى عن أحلامك فى شارع وحى وطريق نظيف وأنا الآن أشتم من فمك ومن تحت إبطيك رائحة أزعجت أنفى واربكت معدتى !!
وأى ثقافة وتحضر تدعيها زوجتك وزوجتى الآن وصوت أكياس القمامة تُقذف من نوافذ المطابخ كأنهن يصيبن أهدافاً حربية على رؤوس المارة بلا خجل ؟!!

وإلى أى مدى تنتظر الجيران ليأتوا إليك ليأخذوا رأيك فى اللون المحبب لك فى واجهة منزلهم الذى تُطل عليه كل صباح وأنت مازلت تتجّهم فى وجوههم النظرة وكأن الابتسامة تنتقص من رصيدك فى الفيزا التى تحملها فى جيبك ؟!

..أى سلوكيات غريبة وشاذة تنتقدها فى الأطفال والشباب وتحكى لأصحابك عنها فى ذهول تام وقد كنت بالأمس تحمل ابنك الرضيع على كتفك وتقول له (تفّ واضرب عمو بالقلم ) ؟!

عن أى فضيلة تتحدث وأنت تُقبّل أيدى زوجتك و رئيسك فى العمل لمعروف أسدّوه لك يوماً ما وتظل تذكر أفضالهم عليك دواليك فى كل مجلس وأراك الآن تنكر فضل والديك اللذين حملا همومك دوماً حتى صرت أنت من أنت !

..إن المتناقضات فى الكون سُنّة إلهية وحكمة كونية فلا تتعجب إذا عرفت أن الوردة الجميلة فائحة العطر تنبت جمالاً وعطراً من روث الماشية ؛ و أن الحيتان المفترسة قد تنجو أسنانها من التسوس والألم بسبب طائر الزقزاق الصغير الذى يقف بين فكيها المفتوحتين ينظفهما من بقايا لحم الفريسة !
..لكن المتناقضات البشرية التى أراها فى عالمنا الثالث بين ما تتوق إليه أحلامنا وما نحن عليه بالفعل الآن يستوجب رحلات طويلة للبحث فى أعماق أنفسنا عن حقيقة عجزنا وتخلفنا هى رحلات أطول بكثير من رحلات ابن بطوطة و كريستوفر كولومبس لاكتشاف البسيطة.