21 يوليو، 2024

“عندما تلد الصخور” للقاصة : ماجى صلاح _ مصر

ماجى

ماجى

عندما تلد الصخور

نحن لا نفقد الذاكرة بل تفقدنا اياها مرارة الأحداث وأحيانا كثير تدفعنا للهروب من الواقع بكل قسوته.. رفعت جسدي المنهك وحملت كوب الشاي البارد دخلت المطبخ وقد تحررت أفكاري وأطلقت عنان غضبي من عقاله فكل تلك الأحزان التي مرت علي خلال سنوات عملي في منظمة أطباء بلا حدود تركت في نفسي ندوب لا يمكن أن تزول ..
لقد أصبحت اعجز عن التعبير فحدود اللغة عندي هي كلمات.. أما ماتراه أعيننا أعمق من كل تلك الحروف ولكن اليوم كان لدي مهمه محدودة فلا بد أن اسافر إلى أرض الميعاد تلك الأرض المقدسة التي تسكن بداخلنا حتى وان طمرتها أطنان الزيف.. كم تمنيت أن أزورها من قبل وأن اكون هناك أداوي الأطفال واساعد الكبار ولكن ظروفي لم تسمح فقد كنت كثيرة التنقل من حرب إلى حرب ومن كارثة إلى كارثة …
رن الهاتف وأجبت بحده سمعت صوت أستاذي الفاضل ورفيق رحلاتي ، فعمره ناهز السبعين ولكنه لم يتوقف يوماً عن المساعدة والسفر عبر العالم وقد وهب نفسه لمساعدة الناس في كل مكان وأصبح ايقونة للعطاء؛
ألقى تحيه سريعة وقال السفر في الفجر أرجو أن تكوني عندي في خلال ساعه حتى نقوم بمراجعة احتياجاتنا، قلت سأكون عندك في الميعاد كنت مبتهجة برغم بشاعة الأحداث فقد تحقق حلمي ..
رحت أجول بشقتي أغلق الغاز. الشباك الكهرباء اتصلت بالسيارة خرجت ومعي شنطتي وفيها كل َما أحتاجه أغلقت الباب خلفي ومازال ذاك الألم يجثم على صدري وذاك الوسواس البغيض الذي كان يدعوني للانتحار،
تنهدت متمتمه ولماذا الانتحار ففي جميع الأحوال لا أعلم ماذا سيحدث لي غداً،
وصلت لمكان المنظمة وكان في انتظاري مجموعه كبيره وكذلك سيارتان كبيرتان أحدهم مجهزة للعمليات والأخرى محمله بالكثير من الدواء
تحركنا قبيل الفجر وانطلقنا في رحله ستحتاج الي خمس عشر ساعه حتى ندخل الي هناك
وصلنا َمع غروب شمس اليوم التالي وكانت الأمور ميسره على المعبر فلم نتوقف إلا وقت بسيط وتوجهنا مباشرة الي مكان يبدو أنه مدرسه لم اخذ قسط من الراحة فقد وصل صبي وطلب ان يصحبه احد فهناك عجوز مصاب ولا يستطيع الحركة خرجت وراحت عيني تتعثر بالدور المهدمة والنساء المكلومة والصرخات المخلوطة بالضحكات والعزاء المخلوط بالتهنئة والدعاء اه ما اغرب ما أراه! ماتلك الروح القوية!
ففي لحظات شاهدت ماعجزت كل وسائل الإعلام عن إيصاله لنا،
تساقطت دموعي بلا شعور انتبهت على، صوت الصبي يقول لي امسحي دموعك فهي بلا فائدة
سألته ما اسمك؟
قال اسمي مصطفى، ثم توقف وقال انظري هذا هو الحاج علي جلست بجانبه وكان هناك شظية في كتفه كان كبير في السن اعتقد انه في العقد الثامن طهرت جرحه وطلبت منه أن نعود حتى انتزع الشظية رفض فقد كان يجلس أمام بيت مهدم والشباب يعمل بهمه لرفع الانقاض وعلمت ان زوجته وحفيدته تحت الانقاض فهمت السبب قمت بانتزاع الشظية وربط الجرح تركني ونهض مترنحا ليساعد الرجال ولكني منعته ولم يجلس بناء على طلبي ولكن لأنه لم يقوَ على الحركة
قلت لمصطفى وانا أنظر للشباب والنساء الأطفال وهم يعملون سوياً بسرعه وتناغم ان الواقع يختلف على الكلام وما أراه هو صورة حقيقيه بلا رتوش
قال يادكتورة ان قضيتنا هي الأرض والهواء هي الأكسجين هي طعامنا وكساؤنا يستشهد من يستشهد تستمر النساء في الإنجاب والشباب بالعمل ، إذن قضيتنا هي كيان حي يعيش في داخلنا يولد يوم نولد ولكن لا يموت بموتنا بل ينتقل للأجيال القادمة٠
والله ياصديقي عرضتها بصوره تسللت إلى عقلي ولكن لي سؤال لماذا كان الجميع يقول ان اغلب الشعب رحل وباع القضية؟
هز راسة وابتسم بسخريه لا تناسب سنوات عمره وقال في كل مكان وزمان هناك من يعجز عن المقاومة والتحمل وهناك من يجاهد ويقاوم بطريقته فليس كل مهاجر فار او باع القضية.وهناك من يعبث بمقدرات الشعب لأغراض مشبوهة ثم سمعت أحدهم ينادي فانطلقت وكان هناك طفل مشوه الجسد يحمله شخص عرفت انه والده
وكانت دموعه تتساقط، ، حملته منه ونظر الوالد نظرة رجاء وقال متمتما انه طفلي الثالث انطلقت سريعا إلى مقرنا وكشفت عليه ،
مازال قلبه ينبض بدأت العمل بلا كلام خفت ان أطمئنه ثم يموت ما اصعب ان ننتزع الامل من قلوب لا تملك الا الحزن والحمد لله كان هناك أمل وبعد وقت ليث بقليل أخبرته ان طفله بخير،
سجد لله شكرا ولم ينطق بكلمه انتهيت وجلست استريح ولكننا سمعنا امرأة تنادي بصوت مذعور على احد الاطباء دكتور عمار دكتور عمار.. خرج الدكتور مسرعا مستجيب للذعر الواضح في الصوت قالت قصفوا بيتكم ووالدتك هي الوحيدة التي كانت خارج الدار دخل وخرج حاملاً حقيبته الطبية طلب أحدهم ان نتبعه فربما هناك الكثير من الجرحى اندفعت اتبعه وكان البيت على بعد خمس دقائق وكنا نعدو.. وصلنا متقطعي الأنفاس ويالهول ما رأيت انه بيت من خمس طوابق أصبح حطام كومه بلا معالم كان الرجال يحفرون بأيديهم تساعدهم النساء والأطفال اليوم ولأول مره اشم رائحة الدم بتلك القوة فحجارة المنزل أصبحت مخلوطة بدماء ساكنيه وكان الدكتور عمار يحفر بيديه معهم وقد تحجرت ملامحه وكانت تجلس امرأة بجانب الحجارة تحملها بلا وعي و بها بعض الجروح تنزف بغزاره وعرفت انها أم عمار. توجهت لعلاجها لم تنظر لي وانا انظف جراح يديها وعرفت من الواقفين انها كانت بالخارج حين قصف المنزل وكل جراحها من الحفر في ركام المنزل وتعثرها فهناك ولداها وزوجاتهم وزوجها وابنتها وخمسه من احفادها
بدأ الرجال بإخراج الاشلاء، نعم تلك قدم بلا جسد ويد وجزع وراس كلها مخلوطة بالتراب أشلاء كانما قطعت على يد جزار بلا رحمه واستمر العمل طوال الليل وكل ما اخرجوه هو أشلاء.. ان رائحة الموت تغلفنا تزكم انوفنا لم يتعب أو يتكاسل احد استمروا في العمل بالتناوب، وقد تم إنقاذ طفله ورجل مصاب بشده وسيده شابه فقط من سبع عشر شخص انها صورة معبره عما يعانيه الناس، أحسست في ذلك اليوم بضآلتي. عدت للمشفى وانا اجر قدمي وجدت الكثير من الحالات والأطباء يعملوا بصمت وسرعة..
دخلت للعمل ما زالت رائحة الدم واشباح الموت تلتف حولي واحساس بالغضب من ذاك الكيان الغاشم وانا أشاهد هذا القهر لشعب بأكمله ما أصعب سياط القهر حين تجلدنا بلا رحمه. مر علينا ساعات ونحن في غرفة العمليات والحمد لله أنقذنا البعض من حالات بتر او غيرها ولكن ماذا عن التالي والتالي.
سمعت صوتا يشكرني ابتسمت ولم أجب. خرجت ونظرت على امتداد البصر سمعت صوت أستاذي يسألني كيف حالك الآن
أفضل استاذي أعتقد أني اليوم وجدت طريقي
سأظل هنا ولن أعود فهنا حيث الأهل. هنا القضية التي يجب علينا أن نساندها
ابنتي إننا نساعد الجميع في كل مكان
نعم ولكن كل منا يعرف متى يجب عليه أن يستقر وأن يكون له قضيه واحده يدافع عنها هنا اكتشفت أني بارضٍ رجالها قدو من حجارة نسائهم جبال شامخه لا تلد إلا صخوراً صلده.
لذلك قررت أن أعيش بينهم..
ماجي صلاح