19 مايو، 2024

” اللعنة ” للقاص : فايع آل مشيـرة عسيري _ السعودية

سعودى

سعودى

اللعنة ….

تسـافرُ به اللحظة خلف قطيعه من الغنم ويزدادُ شوقاً كلمـا رأى قريته من فوق جبال تهامة الشمَّـاء..يتكأ برهةً ع عصاه يسبحُ في صوت زوجته ” نالة ” الراحلة التي قد رحلت عن الدنيا وهي في شهرهـا الأخير وتأخذه دمعته بعيداً نحو وجه عمته القاسية زوجة أبيه صوتهـا مازال يزلزله ويحجَّم طفولةً تصرخ داخله وعصاهـا الظالمة..ومازال صوتهـا ينادي بقايا ألم ستعيش بين هذا الغنم وتشيخ بينه
تقولهـا وهي تمسك بتلابيبه تحملق فيه النظر..وتدفعه للوراء..يؤمن بأن لعنة الأرواح تلاحقه..هكذا تمرُ في ذاكرة المشين الأحداث سريعاً..يقطعهـا رفيق مهنته أدريس السوداني
يهمسُ في أذنه أدريس السوداني يا ” شيخ هادي ” والله داير أعطيكـ كتاب الجن ” ؟
هادي :
الجن…!!!
أدريس: أصبر أصبر يا هادي
كتاب ” شمس المعارف ”
داير تملك الجن وتعيش حياتك في أمان
أنت وغنمك وأحلامك ..
المشين :
بكم بكم سعره ؟
أدريس : بمائة ريال
المشين :
غالي والله العظيم
أدريس :
والله ما غالي .. في السودان بيبعوه بالآلآف
يفتح هادي حزامه الأسود ويخرج مائة ريال ويأخذ هذا الكتاب بقوة يغمض عينيه بره وكأنه رأى فيه إنتصاراً لطفولته الشاردة ..
قضى هادي يومه ينظر لكتابه ولا يعلم ما بداخله !
سطورٌ ورموز ولكنه لا يقرأ ولا يكتب !!!
يسيرُ يومه سريعاً كلمـا أراد أن يفتح كتابه تعصف به حالة من الخوف ويعود مع رفيقه السوداني أدريس للقرية ..
يعبرُ طريقه كأنه لأول مرة يسير معه ويقذفونه الصبية بالحجارة كالعادة يردَّدون أهزوجتهم الساخرة :
هادي المجنون..هادب المجنون..!
يهربُ منهم،ويهرع بغنمه كي يصل لبيته
في أطراف قريته يحمل كتابه يشعر بأن كل الدنيا تنظر له ..
يلقي نظرته الأخيرة على غنمه يبتسم لدجاجاته ثم يداعب ديكـاً أحمراً جميلاً قائلاً : عقل بك ..
يفتحُ هادي كتابه يقلب صفحاته .. يجهشُ بالبكاء كأنه أحس بِشَيْءٍ ينازعه.. يتناول عصاه ويقوم ليصلي على سجادته الخضراء .. يدعو الله في العفو والعافية..كفَّه المسنَّة ترتجف وهي تضع ذاك الكتاب بجانب رأسه..يخلدُ هادي لنوم ٍعميق..!
ليلة هادي تغادره في لحظةٍ باكية ؛ كي يجد نفسه وسط سوقٍ عظيم التقى بزوجته ” نالة ” أنطلق لهـا يضحك ويبكي وكأن العالم لا يسعه فرحاً وضمّها بقووووة وببنما هو في سعادته الباكية صارعته شكوك وتساؤلات فما كان منه إلا سأله زوجته بفزع ناله ..
من هذا الولد ؟
قالت :هذا ولدك محمد بالله ما يشبهك
ولو امسامع ؟!
بين كل الوجوه الحاضرة يرى امرأة تحملُ
كومةً من الحطب توجس خيفةً منها
قبل أن تقع عينه في عينهـا !!!
رأى فيهـا ظلماً وسوداً وبكاءً ووجعاً يسري في عظامه ..رأى فيهـا طفولته المكلومة بالفزع
مازالت نظرتها ومازال خوفهـا يسكنه ومازال جسده يشعر بضربها ورفسها وركلاتها ..
مازال يمسح عن وجهه بصقاته عليه …
تقتربُ منه تحاول أن تعيده لقيودها يهرب من وجههـا متوكأً على عصاه وصوتهـا يلاحقه في كل مساريب عمره نادته زوجته ناله :
كتابك يا هادي ..
كتابك يا هادي ..
التفت لها خلفه ورفع عصاه عالياً ليلقي بهـا دفعةً واحدة على رأس عمته فتسقطُ أرضاً ..
تلطخت بالدماء يقوم من نومه وهو يصرخُ بقووووة وقد أخضبّت لحيته البيضاء بالدموع تختلج في صدره لحظات الانكسار والثأر ..
ومازال صوت طفولته الراحلة يسكنه ويصرخ في وجه الدنيا فزت ورب الكعبة يا هادي !!!!