14 يونيو، 2024

” نرجس جدتي ” للقاصة : مى عطاف _ سوريا

مى

مى

نرجس جدتي

تتمدد جدتي وتجعل من حضني وسادة لها ، جدتي تجاوزت الثمانين وما زالت تردد : على الحياة أن تليق بي .
لم تكن امرأة نرجسية وإن كان لديها حقل نرجس يدعو الربيع لأرضها ليبدأ برسم ألوانه في الحقل .
جدتي ليست نرجسية بل تقطف حقل نرجسها ، لتوزعه في بيوت الجيران والأحبة والعابرين ..وكان ذاك طقسها في رش عطرها في الهواء والحقول والبيوت .
تضع رأسها لأنزع عن ذقنها بضع شعيرات بيض يتكررن في الظهور وبعناد الجميلات تمازحني : بدي لاقي ربي بوجه حلو .
تسند وجهها في حضني و تنظر في عيني …أضع يدي على وجهها ، أمرر يدي على ذقنها أتحسس مواضع شعيراتها البيض ..أنزع عنها برفق شعرة بيضاء متجذرة في جلدها .
أقول : ستي ..وجعتك ؟
ترفع حاجبيها كبديل للكلمة وهي تنظر بعيني .. يدي على جلد وجهها المتموج ، ماذا لو تكلمت أمواج وجهها …وحكت لي عن مشاعر مخبأة في طيات تجاعيدها .
أتمعن في تجاعيدها ..المعاني الأولى للضحكة والإبتسام والبكاء والفرح والخجل والغضب والبهجة ..للتجعيدة الأولى التي نالت من جبينها كدهشة حين غمز لها ابن الجيران في سهرة دافئة .
أحضن وجهها بيدي كأني للتو أصور جدتي بعيني وأكتشف جمالها ..لم تكن كممثلة سينمائية لكنها كانت ابنة زهرة نرجس تبهر بعودتها كلما غابت ..ذكية جدتي تعرف معنى جمال العودة بعد الغياب .
أتمعن في خدها وجبينها ..أنفها ..وذقنها ..شفتيها الداكنتين ..شعرها الأبيض ..وتذهلني طفولة عينيها .
تمعن جدتي النظر في عيني ، لا أعرف ما قرأت …تمد يدها و تحتوي خدي بعتق باطن كفها ..تأخذني بعيداً …بعيداً …منذ البذرة الأولى حتى الحلول بشجرة .