14 يونيو، 2024

” بين إغماضة وأخرى ” للقاصة : مى عطاف _ سوريا

مى

مى

بين إغماضة وأخرى

في الرابعة عشرة من عمرها وحين اكتمال دورة أنوثتها ، حين شاهدت لطخة من دم أحمر في سروالها ارتعبت وحضرت جدات جدات أمها وأجداد أجداد والدها كأطياف من أفواه منزلقة أحيانا ،وأحيانا مفتوحة
بأسنان قواطع …تصلبت الفتاة في مكانها وبدأ الحمام يتمايل من تحتها ، لوّنَ الضباب رؤيتها …أغمضت عيناها وسمعت أصوات أرتطام جسدها متضخمة ..كما لو كان الوقت مطاط والصوت شُدّ معه .
سقطت في أرض الحمام مغشياً عليها ، حين استفاقت كانت في سريرها ..من خط عينيها المفتوح رأت وجوها لم تميزها ..أقفلت عينيها خجلا وادعت أنها نائمة لا كأميرة بل خائفة فأطالت إغماضة عينيها يوما ويوما آخر …يدّ كملمس الفيء حطّت على خدها …قالت في نفسها : يد من هذه ما أنسمها !
أرادت أن ترد جميل اللمسة فتُفرح قلب صاحبها وتفتح عيناها ، لكنها ارتعبت حين فكرت ماذا عن الأيادي الأخرى ؟
طُبِعت قبلة على جبينها عرفت قلق الشفتين : إنها أمي .
شقت باب جفنيها كانت القبلة أمها واليد النسيمية على الخد لأختها.
همست لها أمها في أذنها ، لا تخافي يا ابنتي ..فقد اكتملت أنوثتك ودورتك مع اكتمال القمر …كلما قارب أن يكتمل أعلمي أنه سيسحب من جوفك دماً يمدّ به الأزهار كي تتلون .
صوت أمها الهامس كرحمٍ مطمئِن فتح جفنها كباب موارب .
وقالت أختها : لا تعيدي غيابك ..يومان نقص من عمرنا .
لقد أغمضت عينيها يومين كغياب استباقي ، فقد أرعبتها لطخة دم في سروالها لكنها كما لو وقعت على حالةٍ كنز ” الإغماضة ” .

الإغماضة طواف الحلم حولها …فما أن أغمضت عينيها حتى تلاشى الواقع صورته وبقي الصوت ..شعرت براحة في هذا السواد الرطب ..تأتيها إضاءات خافتة تحاول التقاطها لكنها تغيب ..ما زالت تسمع من وما حولها ..لكن الإغماضة بيت جدرانه عتمة عازلة للصوت ..ما أن دخلته حتى هدأت الأصوات ..وسمعت أصواتاً عتيقة خجولة كانت تختبئ في غابات نفسها تنبع منها لتصبّ فيها.

تزورها صور وتهرب كما لو أنها تلعب معها لعبة” الغميضة ” فتتبع حدسها العالي إليها تمسكها من يدها لتعبر لبيتها الداخلي ،
الذي هواؤه الحلم ..وتبدأ بسفرها الحلمي تغلب المكان والزمان والأصوات ..وتفتح ضوءها العميق منارة لدواخلها لتأتي ميناءها ؛ فترسو في طمأنينة ..

وكبرت الفتاة تتناول إغماضتها بين حين وآخر …واعتقدت أن كنزها سِفر للراحة تعتمده كلما أرادت ذاتها ، لكن الأمر لم يكن كذلك دوما …

حين أحبت في عشرينها شاب يعرف كيف يفتح أقفال نفسها لم تلجأ لفعل الإغماضة عمداً فقد كان شاباً يعرف كيف يُبقي على البدايات مشتعلة،وكيف يزرع في جسدها حقلا من الزغب ، ويرفع كناعورة إلى مصاف العنق قُبَلاً دائرة ..ويمسح بإبهاميه حواجبها محتوياً بكفيه حواس وجهها …ووجهه يلفح هواؤه وجهها ويقبّل رمش عينيها .
مرة أولى أغمضت عينيها ليس عمداً بل إغماضة النشوة …كأنها فقدُ الجذب ..الطيران ..الضوء الراقص ..استلقاء في الهواء ..تأرجح في مهد الطفولة …انعتاق ..وموج ..تماهٍ في الكل وقد تبددت في اللانهاية .

كانت المرة الأولى التي تدرك أن للإغماضة طعم مختلف حين تنسدل الجفون لوحدها ..وراحت جفونها ترخي انسدالها …وبكل إغماضة تسرح في كون جديد إلى اللامنتهى ..وأما حبيبها كان يفتح عينيه لتشربا من سحر نشوتها .

لكنه أغمض عينيه فجأة حين ضغط بيده على صدره وسقط منكمشاً على انغلاقه وغاب في المنتهى .

حين أحنت رأسها تعصره من ألم الغياب وأغمضت عينيها عن سابق تعب ووجع .. سحبتها دوامة الحزن وراحت تخبط بها كما لو كانت سمكة تلفظ أنفاسها في بحر يلفظها موجه على صخور قاسية مدببة ثم يعيرها ماءه أن : ابك ِ .

مضى العمر والبحر في داخلها رحى تدور وتدور و يطحن ملحه في دمعها ..أغمضت عينيها وأحضرت طيفه الممتلئ بأغنية يردد مطلعها
ذوِّبي صحراء ملحك بنهري …وبعثريه عرقاً على إيقاع قلبي .

نهضت امرأة أربعينية ودارت دورتها على إيقاع موسيقى حبيبها تنبذ عنها ملح بحرها ، ثم دارت وهي تجذب نهره حولها… وأغمضت عينيها تسمع موسيقاه عَودٌ لبحة صوته وضحكته ، عَودٌ لتكات قلبه ..لجريان الدم في جسده …ها قد حضر يطبع على جسده جسدها …ويقعان في الحلول كلما ردد أحدهما للآخر : يا أنا .