13 أكتوبر، 2026

أنا وفاطمة ” للأديب : فوزي نجاجرة _ فلسطين

فوزى النجاجرة

في صباحِ يومٍ من الأيامِ؛ وقفتُ أمام خلايا النحلِ التي تقعُ تحت شجرةِ التوت المُنتَصبةِ بعنفوانِها أمام دار جدي محمد عاشور، راقبْتُ النحلَ كيفَ يطيرُ من خلاياهُ ويرجعُ عند المغيبِ؛ ليأوي إِليها ثانيةً، كانَت النَّحلاتُ دائماً تتزاحمُ في الولوجِ إِلى ثقوبِ بيوتها، ففكرتُ أَن آخُذَ عُودًا رفيعًا من الْخشبِ، وأُدخِلَه في ثُقبِ أحد بيوتِ النحلِ؛ لأَستخرجَ منهُ قليلًا من العسلِ الشَّهيِّ وآكُلَه؛ لأَنني خبُرتُ طعمَ العسلِ سابقًا، لم أُفكِّر في النتائج، بحثتُ عن عودِ خَشبٍ من شجرةِ التوتِ، ومشيتُ أَربعة أَمتار واثقَ الخطواتِ والفكرة، حتى وصلتُ مساكنَ النحل.
وقفتُ أَمامَ أَول خليةِ نحل، حيث تصلُ يدي القصيرةُ التي ازدادَت طولًا بعودِ الخشب، والمجنونةُ بالفعل لا بالقول، أَدخلتُ العودَ في ثقبِ الخليةِ دفعةً واحدةً، ثم لم أَدرِ إن كُنتُ أَخرجتُه أَم لا، فقد وجدتُ آلافَ النحلاتِ تخرجُ من الخليةِ، وتهاجمُ رأسي من جهةِ الدماغ أَوَّلًا، وتنقضُّ على وجهي، وتلتفُّ حولَه، لسعتني عشراتِ اللسعات، صرختُ صائِحًا باكِيًا شاكيًا!
شقَّ الأَلمُ صدري، وتصاعدَ اللهبُ من مقلتيَّ، غبشت عينايَ، وضاقَت انَفَاسي، ولم يهُبّ لإسعافي إلا مصطبةُ الرّواق؛ حيث احتضنَتني، واحتضنتُها.
سمعَت أُمي صبحة صراخي فهرعَت نحوي، وبدأت تلطمُ على وجهِها وتصرخُ:
– جاي يا نااااااااااس
ابني بموت ابني بموووووووووووووت
يا عمي محمد، يا عمتي سعدية، عبد الناصر أكله النحل.
كُنّا ما زلنا نسكنُ في دارِ جدّي محمد عاشور، جاءَ القريبُ والغريبُ، ولمّا لمْ تكُنْ هناك عياداتٌ للتمريضِ أَو سياراتٌ للنقل؛ فَإنَّه لم يكن مجالٌ للعلاجِ إِلا بوصفاتِ العَجائزِ الذين قالوا:
_ فتشوا على فستان أَحمر وألبسوه له، ما بطيب إلا إذا لبَّسْتوه فستان أحمر!
حامَتْ أُمّي وجَدَّتي سعدية على كلِّ بيوت الحارة، فلم يجدْنَ إِلا فستانَ فاطِمَة بنت حماد الحلاق، جار جدّي محمد عاشور، أَحضَرَت والدتي فستانَ فاطِمَة حماد الحلاق، وأَلبسَتني إياه، ولكنهُ كان أوسعَ من حُدودي، وكياني، وتضاريسي، وعلى الرغم من وسعِه إلا أنني لبستُه.
لكنَّني حتى يومِنا هذا؛ لا أَعرفُ تفسيرَ هذه الاعتقادات القديمة، وما هي العلاقةُ بين لبسِ الفستانِ الأَحمر والشفاء من وجعِ لسعاتِ النحلِ، ومن الموتِ المحقَّق بسببِها.
ابتلعتُ أسئلتي الكثيرةَ واستغرقتُ في نومٍ عميقٍ بعد آهاتِ الليلةِ الليلاء وأَنّاتِها، التي تقطعُ نياطَ القلب.
مع إشراقةِ الصَّباح، نهضتُ باكرًا لأَخلعَ فستانَ فاطِمَة، كنتُ أَضحكُ من نفسي؛ لِأَنَّني لبستُ ثوبَ فاطِمَة الحلاق، فهي أُنثى، وأَنا متأكّدٌ أَنَّني ذَكَر!