16 يناير، 2026

لُغتي الحُبلى بالأَقْمار ” للشاعرة : امال القاسم _ سوريا

امال قاسم

ويَسْألونني عن لغتي الحُبلى بالأقمار :
قلتُ : هي من عندِ اللهِ .. أرْديةٌ ألقَتْ عليَّ دثارَها، وتَقمّصَتْني لأواري بها أوزاري وسَوْءةَ فلسفتي ًوأفكاري ….
هي ماءٌ مقدّسٌ انْحدرَ من عُروشِ السّماءِ سُلافَ كوثَرٍ، إلى وادٍ طواهُ عبقرُ في دمي، أخيطُه لأبنيَ شُطآني ومدائني وحضارةً من الكلمات ..
ولعلّها غناءٌ سماويٌّ ووحيٌ وسحرٌ، أهُشُّ به على طلاسمي وفحوى رُؤاي، أو لعلها أنجُمٌ وبعضُ أحلامٍ خُضْرٍ اانفجرْنَ رحمةً بي في تدلُّهي لها وهُيامي بها ..
هي حليبُ أمي، ونسبُ أبي، ودينُ جَدّي، وفحوى ميراثي، وهُويّتي، ونواةُ الضادِ في ضميمِ أضلعي .. ووطني ومنفاي، أركضُ بها منذُ أمسي لأبيتَ فيها خارجَ ذاتي ..

إنّها لَعَمري _ مُعجزةٌ تَغْتالُني وتَحْتلُّني، وأطّوّفُ بها في فمي ؛ بقُطوفِها وعنّابِها وأرطابِها، وأسافرُ برحيقِها إلى ألقِ المعنى المسجّى .. لأُلقِيَني على كَتفِ منتهاها طفلةً يَعربيةَ المَسْرى .. تُكوِّرُني فصاحتُها ويُناغي رَضاعتي الأولى صهيلُها الفطريُّ، المغموسُ باللّهَبِ .. طفلةٌ تُعَلِّلُ الْحرائقَ والمواجعَ باللّعِب .. كلما اكْتَوَيْتُ فيها بين جمْرٍ وخمْرٍ ، عاثَتْ بِي كؤوسُها الحرّى التي لا يَسَعُني إلّا الْهُروبُ إلى لُحونِها من أثرِ الهوى.. فتَجْنحُ بي إلى نُطفتِها لتَعزفَ روحي على عُودِ وَجْدِها تارّةً، وتَهْجَعُ بفؤادي على أنّاتِ حُسْنِها تارّةً، وتُرتِّلُني على أعْطافِها وألطافِها، فتُدَوْزِنني في منظومةِ متناقضاتِها ثالثةً أخرى، حتى أُدركَ كنهَها المُمَوْسَقَ السّابحَ في نُسُكي ووجودي وفَنائي ..!

#هي لغةُ التّفكيرِ بالعميقِ، والواسِعِ، والبعيد .. تترجِمُ الرّوحَ والقلبَ .. وتنتشي لها النفسُ دونَ أن تشخِّصَ سرَّ هذه النّشوةِ .. فكلُّ كلمةٍ فيها لها كيانٌ وشخصيةٌ وروحٌ .. مشحونةٌ بمعانٍ جديدةٍ لم تكنْ لها .. فكلما أتقنتَها ـ صديقي ـ اتّسعَتْ فيكَ مداركُكَ وسمَتْ بِكَ مآربك .. هي الحياةُ بِرُمّتِها .. ما ندركُه منها وما لا ندرِكُهُ .. هي الرّوحُ التي تُكهرِبُ المادّةَ الأدبيّةَ وتُصَيّرُها وتَبُثُّ في عروقِها الحياةَ .. اللّغةُ صريحةٌ لا الْتواءَ فيها ولا اخْتلافًا .. طُموحٌ لا يعرفُ حدودًا .. سعيٌ لا يَعْتريهِ مَلَلٌ أو هُوادَةٌ .. وهي إيمانٌ بالذّاتِ وبالأرضِ وهي إيمانٌ بالإنسانِ ذاتِه وبوجودِه الكوني .. !