18 يوليو، 2024

“كمد” للقاص : محمد الرياني – السعودية

سعودى

سعودى

كمد

قصة قصيرة

وقفت بجواره، سوق السمك يكثر فيه الذباب، يبدو أن الجو البارد شجعها على التكاثر في المكان ، لم تمد يدها كما يفعل أغلب المتسولين، حرك عينيه نحوها وهو يضع أصبعيه على أنفه بسبب الرائحة الذي تفاعل مع مطر حديث الهطول، قالت برقة:
أريد مساعدة!
نظر إلى طرف يدها المنقوشة بالحناء، قال في نفسه :هل هذه اليد تحتاج مساعدة؟ ضحكت وكأنها قرأت حديث نفسه، كررت عليه الطلب، البائع يصيح عليه بأن يدفع له وينصرف، قال له:
حسنا… حسنا!
هم بالمغادرة فتحركت معه، تبعته وهي تقول:
المساعدة!
نظر في جيبه العلوي فلم يجد عملات من التي توزع عادة على المتسولين، حرك يديه بأن تتركه، قالت له :
هذه الوقفة الطويلة بلا فائدة؟
وضع يده في جيبه الأسفل فلم يجد شيئا، أفهمها أنه لا يحمل سوى ورقة نقدية كبيرة، فتحت حقيبة سوداء معها، نظرت فيها وهو يشاركها النظر، قالت له:
هات ورقتك!
شعر بالحرج، ناولها وهي تعد عملات مختلفة تخبئها، أعطته ناقصة، رفعت عملة في وجهه، هذا نصيبي، انصرف من عندها وهي تضع ورقته في مخبأ آخر، يبدو أنه مخصص لمثيلاتها، انتقل إلى مكان آخر وإذا بها تقف بجانبه، عرفها من قامتها أنها هي، هرب منها نحو مكان آخر، أقبلت تسأل عن السمك، سمت نوعا باسمه، طلب منها البائع الانتظار حتى يفرغ من الذي قبلها، غضبت ورفعت صوتها، هذا رجل يستطيع الانتظار، غمزه بنظرة أن قدمها ، وضع لها السمك في الكيس وانصرفت، نادى عليها، لقد نسيت الدفع، ربتت على كتفه، الحساب عند هذا، هز رأسه بالموافقة، قال له السعر كذا، ضحك من الموقف، الجو البارد أشعره بالجوع، رائحة الشواء في المطعم المجاور لسوق الأسماك يغري على الأكل، ناول صاحبه بعض القطع ليشويها، جلس على كرسي في المكان المكشوف، توجد طاولات متناثرة والكراسي حولها، مضى بعض الوقت وهو ينتظر، جلب له العامل السمك مكشوفا يغطيه الفلفل الأحمر المطحون، ومعه مسحوق وخبز دائري يكفي لثلاثة، أقبلت نحوه، ضربت بجانب يدها على رقبتها، قالت :
جوع… جوع!
أخذ قدر حاجته وترك لها الباقي، مشى وهو يضع اللقيمات في فمه، لحقت به، صغاري ينتظرونني، تمتم بكلمات وهي تسمعه، ماذا فعلت حتى يحصل لي ما حصل؟ طلبت منه أن يوصلها، وصفت له العنوان، المكان على وصفها لايبتعد كثيرا، توقف عند باب مهترئ، فتح لها طفل صغير وخلفه أخته، من هيئتها أنها توأمه، أشارت إليه أن ينتظر، لم يفهم مغزاها، أقبل إليه الصغير، ادخل يا رجل، توجس وأصابه القلق، صاحت من الداخل أن ادخل، وجدها قد وضعت الأكل على الأرض ومعه إدام يبدو من صنعها، جلس الصغيران وهو معهما، لم يطل المكوث خوفا على السمك الذي معه من التلف، غسل يديه من مغسلة في طرف البيت، كل هذا وهو لم يفهم ماذا يجري؟ غاب ثم عاد ليشتري من جديد، وجد الصغيرين يقفان إلى جواره فعرفهما، سألهما عنها، همت عيونهما، ضمهما وهو يشاركهما الدموع، أخذهما نحو البيت، عندما وقف بهما عند الباب حضرت ومعها رجل آخر، دخلت وأغلقت الباب بعنف، وضع ظاهر يده وباطنها على أنفه، لم يجد رائحة السمك.