22 أبريل، 2024

“الثأر” للقاصة : شاهيناز الفقي _ مصر

 

قصة قصيرة بعنوان
#الثأر

امتدت يده تتحسس جيبه الداخلي، أخرج بعض العملات المعدنية، أنصت لصوت المعدن المحبب له وهو يحركها في باطن كفه المتسخ بشحم سيارة تمدد طوال الليل أسفل منها، في محاولة بائسة لإصلاحها.
نظر بفخر لثروته الضئيلة وقد وضع العملات أمامه على الأرض في ثلاثة صفوف، الأول لعملات فئة الربع جنية تفاوت حجمها بين الصغير والكبير والمثقوب، الصف الثاني لعملة النصف جنيه بلونها النحاسي الصدئ، وبعض الجنيهات القليلة تنوعت ألوانها بين الفاتح و الغامق صُكت عليها أهرامات و نقش لفرعون لا يعرفه.
لملم العملات ووضعهم في جيب الجلباب مرة أخرى، ابتسم برضا وأغلق الباب خلفه، في إحدى الحارات الضيقة وقف رجل ذو وجه منتفخ و أنف ضخم و قد برز لحم بطنه من فتحات قميص قماشه متآكل باهت اللون، يبدو لأول وهلة رمادي لولا بعض البقع الزرقاء التي تشي بلونه الحقيقي.
مد الرجل ذو الجلباب يده بالمبلغ بسرعة وارتباك، سقطت العملات على الأرض الترابية ، لم تحدث جلبة ولكنها زادت من ارتباك الموقف، انحنى ذو الجلباب يجمعها بسرعة فامتلأ كفه بحفنة من التراب، انتقى من بينها العملات وأعطاها للرجل الضخم الذي زاد الضجر من انتفاخ وجهه حتى بدا كإطار سيارة على وشك الانفجار، وبلا اكتراث أعطاه مظروف أبيض مغلق مقابل العملات المعدنية ، نفث دخان سيجارته ورمقه بنظرة ازدراء ورحل بعد أن بصق على حائط جيري يبدو أنه لأحد المقابر.
وضع ذو الجلباب المظروف بين طيات جلبابه محدثًا نفسه بأن اليوم هو نهاية عذابه، إنه يوم الانتقام لكرامته والثأر لرجولته، اليوم سيعلم أهل الحارة أن مثله لا يبتلع الإهانة ولا يقبلها، وضع كفه على صدغه يستشعر صفعة مرت عليها أكثر من ثلاثة أشهر، لن يمحو ألم تلك الصفعة التي هوى بها المعلم صاحب القهوة على صدغه أمام الجميع سوى رصاصة تخترق قلبه.
ثلاثة أشهر لا يستطيع أن يرفع عينه في أهل الحارة، اليوم سيسترد كرامته المبعثرة ورجولته المهدرة، تسعين يوما قضاها في عناء للحصول على ثمن رصاصة الرحمة لكرامته والتي ستعيد اليه اعتباره. اليوم سيلقن المعلم المستبد درسًا، وسيعرف أهل الحارة أن مثله لا يبتلع الإهانة ولا يقبلها، سيعلن لهم عن نيته في الانتقام، سيجمعهم ليلتفوا و يشاهدوا المعلم و هو يسقط على الأرض بجسده البدين محدثًا ضجيجًا لا بأس به، سيسقط مضرجًا في دمائه.
تخيل المعلم وهو يتوسل اليه بفزع ألا يفعل فاهتاجت نفسه والتهب حماسه، أسرع الخطى نحو الحارة، لاحت له يافطة زرقاء كتب عليها بالخط الأبيض الكبير حارة المناكيد، وبخط أصغر منصور باشا سابقًا، تسارعت ضربات قلبه وهو يعبر الطريق بحماس، دوى صوت فرامل سيارة واحتكاك كاوتش العجلات بالأسفلت. التف الناس حول جثة الرجل المجهول ذو الجلباب المهترئ، لم يتعرف عليه أحد، قام أولاد الحلال بتغطية وجهه بأوراق الجرائد، وقف سائق السيارة يقسم أن المتوفي كان يعبر وهو شارد و أنه نزل لنهر الطريق فجأة و لم يلتفت للتنبيه.
تفرق الجمع من الناس مع صوت سيارة الشرطة البعيد، يلوون رؤوسهم حسرة على رجل مجهول توفي تحت عجلات سيارة مسرعة بيد سائق متهور.
*