18 فبراير، 2026

منى مرقص : الشهيد القمص ابونا ارسانيوس وديد

سنة ١٩٩٣ كنا لسة في بداية مرحلة إعدادي، و كنا بنطلع مع استاذ رزق (أبونا ارسانيوس) خلوات لأبو تلات مرتين في الصيف و مرة في أجازة نص السنة.

كان أبونا (أستاذ رزق وقتها) بيجيب كام مخدوم من اسرته في ثانوي يخدموا معاه في الطبخ و التحضير عشان يعلمهم الخدمة، و جاب في الخلوة ديه شريف و مينا نادر، و ديه كانت بداية تقاربي مع ابونا مينا نادر من خلال كلامنا الكتير وقت تنقية الرز، و اللي كانت معرفتي بيه مجرد زملاء شموسية في قداس السبت الفجر.

في احد أيام هذه الخلوة و التي تمتد من مساء الأحد إلى مساء الخميس، أستيقظنا في يوم مبكرا الساعة السابعة و لم نجد أستاذ رزق و كان لا يحلو لنا إلا سماع الترانيم منه لأنها كانت لها طعم روحاني عجيب خاصة (من لي سواك يحميني) و (لا تتركني وحدي يا راعي الأمين)، سألنا أين هو، قال الخدام إنه أستيقظ مبكرا جدااا لأمر طارئ في عمله و سيرجع وقت الغذاء، و بعد قليل إكتشفنا أن سباكة الصرف في البيت بها مشكلة مما يعني إننا غير قادرين على إستخدام الأحواض و الحمامات.

مرت الساعات و أتت ساعة الغذاء و كنت أجلس اترقب متى يعود أستاذ رزق، و بمجرد جلوسنا على المائدة، و كنت قرب الباب المواجه للبوابة الحديدية للبيت، سمعت طرق الباب، و كان قد اتي و معه بعض أكياس الفاكهة و يتصبب عرقا من الحر الشديد، ذهبت لإحضار مفتاح البوابة من المطبخ، و فتحت له (قفل الجنزير) و أعطاني بعض اكياس الفاكهة و طلب مني (اغسلها) لتقديمها بعد الغذاء (كان عنب و مشمش)، فحملتهم للمطبخ و أعطتهم لمينا نادر (أبونا مينا) ليغسلهم بدلا مني (لأني ما اعرفش)، و بعيدا أني حملت الأكياس(بالعافية) من البوابة للمطبخ المواجه، تعجبت كيف حملها أستاذ رزق من أول الطريق (لم يكن هناك بعد مواصلات بشكلها الحالي في أبو تلات بل منطقة صحراوية).

ذهبت لأكمل غذائي، و لكن أختفى استاذ رزق مرة اخرى، قلت ربما يريح في أحد الغرف لكننا لم نجده، و لكني وجدته خلف البيت حيث مواسير الصرف الصحي و يقوم بتسليكها بنفسه.

تأثرت جدا بسبب إنهاكه و عرقه الذي يتصبب و الرائحة الصعبة التي يحارب فيها، تفلسفت و قلت له: “مش لازم دلوقتي، حضرتك ما أكلتش و بعدين ما نجيب سباك”

نظر لي و هو يتصبب عرقا و أعطاني عدة دروس في الإلتزام:

١. الكنيسة سلمتنا البيت سليم يبقى بعد الخلوة نسلمه زي ما كان و احسن.
٢. لازم السباكة تتعمل فورا عشان إخواتك بعد الغدا اللي عايز يستخدم الماية و الحمامات و اللي عايز يريح (قلت في بالي طب ما تريح أنت الأول).
٣. لو عرفنا نجيب سباك في منطقة مقطوعة زي ديه (وقتها ابوتلات كانت منطقة فعلا مقطوعة)، حيأخد كام؟ ديه فلوس الخلوة.. ممكن نجيب بيها حاجة زي الفاكهة تفرح إخواتك (رغم إني على يقين إنه أشترى الفاكهة من ماله الخاص).

نظرت له وقلت: هو أنت ما بتعرفش تعمل إيه؟؟ (و بقول في بالي كهربا و سباكة و كورة و بينج و سباحة و ترانيم و صلاة و تسبحة).

قاللي: حتساعدني و لا حتقعد تتكلم، خلي الكلام بعدين نقعد ندردش وقت الفترة المفتوحة (كنا نخرج فيها للجلوس على البحر).

سألته أعمل إيه؟
قاللي: إسحب ديه معايا (سلك ما بيستخدموه لتسليك مواسير المجاري).

بدون تردد فعلت (رغم إني وقتها كنت عيل مدلع و إنف او بيسموه عيل بسكوتة).

اللحظة ديه حسيت إني اتنقلت من مرحلة الطفولة للرجولة، لأني فجأة (ما بقتش بقرف).

لكن الموقف ده فضل محفور إزاي القائد أو الكبير (كبير الخلوة) هو أول واحد بيعمل أدنى الأعمال، إزاي ما بيأخدش راحة عشان غيره يرتاح، و الأهم إزاي بيدي قيمة للعيال و فرصة يبقوا رجالة.

استاذ رزق سلك المواسير بنفسه، و كل حاجة رجعت لطبيعتها و بعدها اخد دش، و لكن لم يتبقى من الطعام إلا بعض ثمار الفاكهة التي احضرها، لم يتذمر الخادم الناسك و بعدها قاد صلاة الغروب و الترانيم والندوة الروحية، من ٤ ل ٥ مساء، و بعدها في الفترة المفتوحة خرج معنا على الشاطئ، و كأن شيئا لم يكن.

كأنه لم يكن يسهر معنا لساعة متأخرة في اليوم السابق!!!
كأنه لم يستيقظ باكرا جدا ليذهب لعمله!!!
كأنه لم يحمل اكياس فاكهة ثقيلة جدا لمسافة طويلة في عز الصهد!!!
و كأنه لم يقوم بعمل يتأفف منه الجميع!!!

و كم من مواقف لا تحصى مثل تلك و اكثر؟؟؟

كما ذكر ا. هاني رزق بالأمس أبونا كان له جلابية عمل يزرع و يبني بها في بيوت الخلوة.

حتى بعد الكهنوت شاهدت ذلك بنفسي، عندما كان هنا في إحدى زياراته، ذهبت لبيت رفيق دربه و صديقه ا. فايز وليم، و كان قد ذهب في مشوار قصير بجانب البيت، و فوجئت أن ابونا يقوم بنفسه بتقليم الزرع و تسويته.

و كررت له نفس السؤال: “هو قدسك إيه اللي ما بتعرفش تعمله؟”.

ضحك ضحكته الجميلة و قاللي: “لسة فاكر؟”.

صحيح إكليل الشهادة مش بيروح لأي حد، بيختار الناس الحلوة قوووووي.

الصورة كان هاني Hany Rezk
صورها لأبونا من عدة سنوات و هو بجلابية الشغل اللي بيزرع و يبني بها، و ابونا اكد عليه إنه ما ينشرهاش، لكن جاء الوقت ل “يوضع السراج على المنارة ليضئ لكل من في البيت”.

حتوحشنا قوووي يا أبانا الغالي
الأن فهمت كيف كان الاولون يشتهون الشهادة و الموت للقاء الحبيب.

منى مرقص