دخل المكتبة ليلاً، الحنين يشتعل في كل مكان، الحيطان تصور ببراعة اللحظات التي كان يقف بجانبها، الرفوف لا يزال عالقا فيها بصمات أصابعه، الكتب تحلق برائحته في سكون المكان، يمرر حسام أصابع كفه على أسماء الكتب لعله يعثر على شيء مميز بينها، هو حائر لأن والده المتوفى منذ أربعة أيام كان مدمنا على القراءة و الكتابة منذ فترة طويلة جداً، و لا يخرج إلا للضرورة القصوى، وحين يخرج لا يحس به أحد، ويوبخ أي شخص يقترب منه أو من بابه، بكت أم حسام طويلا و غادرت إلى بيت أهلها مع حسام و ماتت هناك بحسرتها قبل عام، كل شيء يثير فضول الجميع حول عزلته،
هكذا كان يحدث حسام نفسه…
اقترب أكثر ببصره من الكتب يمني نفسه بأن يشده أحد عناوين الكتب، لكنه لم يجد أي رواية أو ديوان شعر أو قصص أو كتب علمية، بعض الكتب مكتوبة بأحرف لاتينية قديمة، و البعض الآخر دفاتر مكتوبة بخط يد والده على الأرجح، وبما أن الغموض يحيط بالمكان، فتح حسام أحد الدفاتر، وجد فيها رموزا و أشكالا غريبةو كتابات و أرقاما لايعرف ما الرابط بينها، أغلق حسام الدفتر لعدم فهمه بالمحتوى، ثم أمسك آخر لكنه تفاجأ بنفس الكتابات، قلب صفحاته سريعا و نتيجة لما أصابه من إحباط رمى الدفتر على الطاولة التي كان يكتب عليها والده، و مشى باتجاه الباب يريد الخروج و قبل وصوله الباب، خطرت على باله فكرة، سأل حسام نفسه بصوت خافت: لماذا لا أبحث في دروج الطاولة ؟
اندفع باتجاهها و أخذ يبحث بداخلها، لم يجد سوى ثلاث ورقات صغيرة مرقمة مكتوب عليها
1_ احذر الاقتراب من الكتب
2_ خذ مافي الصندوق المخبأ داخل المكتبة، تستطيع الوصول إلى الصندوق عند إخراجك للكتاب الثالث على يمينك من الرف الثالث
3_ الشيفرة 8791
كانت الدهشة تملأ و جه حسام مما قرأ، و حتى يزيل دهشته أسرع بتنفيذ ما على الأوراق…
فتح حسام الصندوق لكن الدهشة زادت حين وجد الصندوق الضخم و الذي يشبه غرفة صغيرة مكعبة طول أحد أضلاعها مترين تقريباً، والقطع النقدية الذهبية و المجوهرات تلامس حتى فم الكيس الذي وضعت فيه، و بمجرد ملامسة حسام لحواف الكيس، أحست القطع أن من واجبها الاندفاع في وجه حسام، فاندفعت كنهر غزير باتجاهه، صار كالمجنون يضحك… يرقص… يمسك بعضاً من القطع و يجعلها تتساقط فوق رأسه، بعد دقائق هدأ حسام وأخذ يتأمل حوله، جذب نظره ورقة تساقطت عليه مع الذهب و المجوهرات، أمسكها حسام مستغربا و قرأها: إبني الغالي حسام بعد أخذك مافي الصندوق إياك أن تبقي شيئاً من هذه المكتبة، أحرقها و سافر خارج البلاد، إياك ثم إياك أن تطيل البقاء هنا، إن كنت تحبني بحق نفذ مافي الوصية فوراً.
سؤال عميق يتسلل إلى ذهن حسام و يقف في مقدمة الأفكار التي تبحث عن إجابات..
سؤال لم يرض بوضع السكون، خرج على لسان حسام بكل ما يملك حيويةو دهاء، مادام أبي يوصيني بحرق كل شيء… لم لم يحرقه بيديه و قبل وفاته؟!
يقف على قدميه ثم يتجه نحو الطاولة يبحث عن أشياء تساعده على استيعاب الأمر، فتش فوق الكتب التي فوق الطاولة وبعد بحث ليس بالقليل وجد ورقة داخل أحد الكتب مكتوب عليها بأحرف عربية، قرأها حسام لكنه لم يفهم شيئا، قرأها مرة ثانية وثالثة لم يفهم شيئاً، أحس بالتعب و النعاس لدرجة أن عينيه لم تعد قادرة على البقاء مفتوحة،
ترك حسام جسده يفترش المكان، و غط في نوم عميق، بعد ساعات طويلة فتح عينيه ببطء، ثم دقق النظر في كف يده، استغرب وجود خاتم عليه نقوش بأحرف اسم والده، مسحها بكم قميصه، فخرج من داخلها دخان مالبث أن تشكل منه مارد ضخم، رحب به المارد حتى يبعث في نفس حسام الطمأنينة قائلا : أهلاً بسيدي الجديد، تلفت حسام حوله مع كثير من الخوف فلم يجد سوى نفسه، نظر إلى المارد وهو يرتعش وسأله: هل تقصدني أنا؟
يجيب المارد: و هل هنا أحد سواك هههههههه بالطبع أنت.
يندهش حسام من المشهد، يزول الخوف، ثم يتخيل أنه يمكن أن يصبح أغنى، فالمارد يمكن أن يحضر له أي شيء ما دام سيده.
لم يتردد الشاب الثلاثيني و على الفور سأله هل ستنفذ كل ما أطلبه و أتمناه.
أجاب المارد نعم لك أمنية واحدة أستطيع تحقيقها لك بشرط أن لا تحب أحدا غيري، و تلبس الخاتم كعقد شراكة أبدي بيننا.
فكر حسام قليلاً ثم قال : و لم لا أنا موافق لن أحب أحدا غيرك، سر المارد بذلك و قال: تستطيع أن تطلب أمنيتك.
أزهرت أسارير وجه حسام و قال : أريد قصرا من ذهب يكون فيه الطعام و الشراب سهل المنال في جزيرة لايصل إليها أحد. و خلال لحظات حمل المارد حسام مع كيس الذهب إلى قصر الذهب.
ترك حسام النقود بعد وصوله على الأرض، و بدأ الطواف والتجوال في القصر بصحبة المارد، كان الذهول يلاحق كل مكان يدخله حسام، الغرف واسعة و أثاثها من الذهب الخالص، الحديقة فيها من كل أنواع الأشجار و النباتات، وفيها نافورات مختلفة بما يتدفق منها، هنا نافورة يتدفق منها العصائر، و إلى مسافة ليست بعيدة نافورة يتدفق منها العسل، و على مسافات متساوية تتوزع نافورات يتدفق منها الماء العذب الرقراق، كل هذا الترف و الجمال بعث الحب في قلب حسام و أصبح يشارك المارد في كل شيء يفكر به، بل وفوق ذلك بدأ يفعل مايثير استحسان المارد، يرقص معه، يغني معه، يتبادلان النكات المضحكة حتى يبقى الفرح ملازما وجودهما.
استمرت هذه الحالة فترة تقارب الشهر، الملل بدأ يتسرب إلى حسام، حاول إخراج الخاتم من يده فلم يفلح،
أحس حسام أخيراً أن الحب لا يشبه الأشياء التي يقوم بها، وأنه يحتاج لبشر من جنسه يبادلهم الحب الحقيقي، هو بحاجة لأصدقاء…. لزوجة….. لأطفال… لأقرباء و جيران. قساوة الشرط الذي وضعه المارد جعلته يصفع وجهه مرارا، وفي كل مرة يصيح باكيا كيف تركت الغباء والطمع يسيطران علي رغم إلحاح والدي في الوصية.
” جنة ولكن ” للأديب : أحمد اسماعيل _ سوريا
احمد اسماعيل
More Stories
السيد التركى يكتب سوق تفاهم
يستيقظُ في مفاصلِ الحجرِ ” للشاعرة : لُجين الغصن _ سوريا
قميص الكبرياء ” للشاعرة : هناء عباس العباس _ سوريا