أحببتها كثيراً رغم أننا لم نلتقِ إلا مرة واحدة. كان شتاء، في مدينة لم يعلق في قلبي شيء من ملامحها رغم أني زرتها مراراً، مدينة ما كنتُ لأعود إليها، لشدّ ما تشعرني بالغربة، لولا أن فيها بحراً أُحب. كان صباح، وكما العادة، وصلتُ في ذات التوقيت، بي من الشوق واللهفة ما لا يحتمل الانتظار والتلفّت فأسلمتُ من فوري خَطوي للطريق. عبرتُ ذات الشوارع، مررت بذات الأماكن، لا شيء يشغلني إلا صوت نداءه العميق أتبعه وخطوي يستعجل بعضه إلى أن وصلت الممر المؤدي إلى الرصيف الصخري بمحاذاة الماء. قطعت الممر و من ثم توقفت عند نهايته أمام ذات الكشك الصغير لأبتاع كوباً من القهوة، ولأسمع ذات الأغنية! “أنا لحبيبي وحبيبي إلي “، هي صدفة أخرى أقول لنفسي، أصغي وأفكر كيف أن للأغاني أيضاً كذبها الحلو، وكيف لليقين الغريب في صوتها، فيروز إذ تغني، أن يحملنا على التصديق. تناولت قهوتي من البائع، انعطفت يميناً متنقلةً فوق الصخور إلى أن وصلت مكان جلوسي المعتاد. المكان شبه خالٍ، فقط امرأة تجلس على مقربة من الصخرة الكبيرة حيث رحت أتأمله بوجهه الشتوي وموجه الرمادي المضطرب. الهواء شديد البرودة، لكن شعوراً رقيقاً بالدفء انبعث في داخلي فاستغرقت فيه مستعذبةً حلوله الغامض. “أعرف بأنك لستَ لي،” للبحر أقول، “اعرف بأني تأخرتُ كثيراً، لكن يكفيني أني عشت لأعرف بأن هذا الدفء لي.”
الموج يتدافع، يعلو ويهبط، يضرب الصخر أسفل قدمي ناثراً رذاذه في وجهي. كذلك تتدافع أفكاري، بينما في صدري تموج رغبة كبيرة بعناق طويل..
“ثمة ما لا يمكن تفسيره” تناهى إلي صوتها القريب مثلما موجة رقيقة، للحظة ظننته وهماً، لكنها تابعت،” أنا أيضاً ما كنتُ لأتي هذه المدينة لولا أن لي فيها بحراً أُحب.” فما كان مني إلا أن التفتُّ إليها، وقد اعتراني الذهول، لأجدها تنظر إلي مثل من ينظر في مرآة. امرأة بوجه أبيض وعينين لوزيتين يظللهما كحل خفيف، نظرة تقول الكثير مثلما تخفي الكثير، ابتسامة مثل شمس أشرقت على استحياء في يوم غائم، وتلك الألفة الجمّة!!
أسئلة كثيرة دارت في ذهني، لكن صمتاً ثقيلاً غلبني وامتد بيننا للحظات إلى أن قطعتْه قائلةً: لا شيء يحدث صدفة، أحيانا علينا أن نصدق….. وإلا متنا.
“حياة واحدة لا تحتمل الكثير من الموت.” قُلت.
“نعم”، قالتها بابتسامة وراحت تدوّر خاتماّ فضيّاً في سبابتها، ومن ثم نهضَت مانحةً نظرتها للأفق ساهمةً فيه. أردت أن أسمع المزيد منها، أردت بشدة أن أستبقيها.
“الوحيد للوحيد أيضاً نسيب.”، قُلت.
“أعرف ذلك.”، قالت، وعادت لتنظر إلي، نظرة مَن لابد له الرحيل، نزعَت خاتمها لتضعه في راحتي ومضت تتمتم “هذا البحر لي”. راقبتها وهي تبتعد إلى أن غابت تماماً، عُدتُ أدراج قلبي بين أفقٍ وبحرٍ، أدوّر الخاتم في سبابتي بينما أفكر بأن هذا الدفء لي.
” أحببتها كثيراً ” للشاعرة : بشرى إبراهيم _ سوريا
بشرى
More Stories
السيد التركى يكتب سوق تفاهم
يستيقظُ في مفاصلِ الحجرِ ” للشاعرة : لُجين الغصن _ سوريا
قميص الكبرياء ” للشاعرة : هناء عباس العباس _ سوريا