شعور سلبي يشعر به الإنسان يسلبه لذة الحياة، يصبح المصاب به هادئا، انطوائيا، وهو شبيه بالهم، والأسى، والكآبة، واليأس.
والحزن من الناحية الفلسفية هو فلسفة وجع الأفكار التي ينتج عنها أقوال وأفعال.
وغالباً ما يكون الحزن بسبب فقد عزيز يفتقده ويسبب له ألمًا نفسيًّا، أو بسبب تغيُّرٍ جسيمٍ في حياة المرء، كفقدان العمل، أو الإحالة إلى التقاعد، أو شعور الإنسان بأن الآخرين لم يعودوا بحاجة إليه، فيُفرض عليه معايشة حزنه وآلامه، وكأن الحياة لن تصبح بشكل أفضل أبداً، ستبقى تمطره بالمصائب. وهذا غير صحيح.
بل يجب على المرء أن يحسن الظن بالله مهما كانت حياته مؤلمة.
أخطار الحزن
إن شعور الحزن يؤثر على حياتنا، حتى على أعضاء أجسادنا، فيوقِعُ عارضًا ينتج عنه مرض ما، كمرض السكر مثلا، أو الضغط، وقد يصل إلى أعراض نفسية تؤدي بالإنسان إلى البعد عن العالم الذي يحيط به، والشعور بالإحباط وخيبات الأمل الدائمة. ويمكن أن يصبح أكثر خطورة ويتحول إلى اكتئاب فيجعله حبيس أفكار مشوشة مضطربة، محاطًا برؤية سوداوية لا يستطيع التعبير عنها في معظم الأحيان، على الرغم من أنه يرسل رسائل جسدية أو لغوية تشير إلى معاناته في بعض الأحيان، يطلب فيها المساعدة وتظهر هذه المعاناة عن طريق نظراته أو حركاته أو تعابير وجهه وجسده، أو كلمات كزلات اللسان تدل على الحزن الشديد، والخوف، والقلق، وتشير على عدم اتزان الشخصية، يريد أن يتخلص من شيء غير مرئي يقلقه ويسلب راحة عقله وقلبه، ويدمر كينونته ونواته الداخلية، فيصبح ضعيفاً هشاً لا يستطيع التعامل مع أبسط الأمور كأنه مقيدا، مسجونا، محكوما بعزلة أبدية، لايدري متى يتخلص منها.
كيف يمكن أن نساعد أنفسنا لنتخلص من الحزن؟
من المهم جدا أن يتحدث الإنسان عن مشاعره، ولا يبقيها مكبوتة. الإفصاح عن الألم أول العلاج.
الهروب من الحزن ليس حلا. تجد أشخاصًا يفرون منه من خلال الإفراط بالعمل، أو كثرة السفر أو يتبعون سلوكيات هدّامة، كتناول الأقراص المنومة والمهدئات، أو تناول الخمور والمخدرات.
ويمكن لهذه التصرفات أن يخمدَ الحزن تحت رمادٍ إلى حين، دون أن تعالجه. الملفات العالقة بالذهن تسبب ضغوطات كبيرة على المرء تشل حركته الحياتية. كثرة الملفات تؤدي الى صعوبة عمل الحاسب الآلي وإلى ضعف أدائه، فما بالك بالإنسان؟
كذلك كثرة التحميل على العقل يجعله يصاب بالأمراض النفسية والجسدية والكبت.
هنا يستوقفني حديثٌ جرى بيني وبين أحد الأشخاص يروي لي قصته مع حلم يراوده دائما ويقلق راحته تكراره يقول:
بعد وفاة والدتي بعدة أشهر أصبح يراودني حلمٌ مزعج، يقلق راحتي، فقد كنت أحبها كثيرا، حتى أني لم أتقبل موتها بسهولة. كانت أمي بالنسبة لي، الأم الحنون، والأخت، والصديقة، والحبيبة.
ثم بدأ يروي حلمه:
كنت أرى نفسي واقفاً على شرفة بيتي عند المغيب وفجأة أسمع صوت أمي يناديني ثم أرى نفسي واقفاً على حافة الشرفة فاتحاً ذراعي، أنظر إلى الأسفل كان الشارع خاليًا من المارة، وكأن المدينة التي اقطنها لايوجد فيها غيري، ثم أقوم برمي نفسي من الأعلى. ثم يكمل ويقول:
الشعور يراودني الآن كأني في الحلم، أشعر بالخوف وضيق في التنفس، وبذلك الهواء الذي يلطم وجهي كلما قفزت!
يا له من شعور مخيف!
ويكمل:
عندما أستيقظ في اليوم التالي أجلس وحيدا في عزلة، لا أريد فعل شيء، ولا أريد التحدث لأحد، ويكون الصمت سيد الموقف، حتى أني ذهبت إلى الطبيب النفسي لأتخلص من هذا الكابوس اللعين وينتهي قائلاً:
اليوم أنا رهين للمهدئات.
أنا لستُ خبيرة في تفسير الأحلام، ولا أعلم كيف كانت علاقته بوالدته، لكن تكرار حلمه يشير إلى خطب ما. فهل هو شعورٌ بالذنب، أو تعلق شديد بوالدته وعدم تقبل موتها؟
هناك عاملٌ مهم، يجب أن نتنبه إليه، هو البرمجة العقلية
بسبب برمجته السلبية، وقبل دخوله في النوم، كان يفكر بوالدته، ويرسل إلى عقله رسائل حزينة.
نعم التغذية العقلية كانت سلبية، فنتج عنها ردات فعل سيئة.
لذلك يجب علينا أن نحدث أنفسنا إيجابيا قبل النوم.
الأحلام هي عبارة عن أمور، أو رغبات، أو احتياجات مُنعت عنا، أو لم نحققها، فترحل إلى مخزنها في العقل الباطن …
كل حلم أو أمر لم يتحقق يُفتح له ملفا داخلنا مثل الحاسب الآلي تماما، وكثرة الملفات تؤدي الى صعوبة العمل و الاستمرار والتفاعل مع محيطنا.
أحيانا الاحلام تكون رسالة من الله لنستيقظ من الغفلة فهي تكشف دواخلنا..
فقلت لمن حدّثني:
هناك خلل ويجب علينا أن نصلحه.
يجب إغلاق الملفات القديمة.
لا نستطيع تغيير الماضي، لكن نستطيع إصلاح افكارنا فيه، عندما نجعله مخزنا للخبرة.
يجب عليك برمجة عقلك ايجابياً، وذلك يكون بالرجوع إلى حلمك، قم بتمثيله في خيالك وأنت مستيقظ بمرافقة احاسيسك ومشاعر الخوف التي كنت تشعر بها وأنت تحلم، والشوق لصوت والدتك كأنك تعيش بهذا الحلم فعلا في واقعك.
ثم قم بادخال تفاصيل جديدة على حلمك وهي أن والدتك في جوار ربك، عند الحق آمنة مطمئنة، في مكان خير من كل الأماكن.
وتحدث عن حزنك، ألمك، جرحك، ولا تخجل، فالفضفضة نصف العلاج.
حزنك هو من منحك التجربة، والتجارب القاسية تقوي عزيمتنا.
بعدها ستتم البرمجة اللغوية لأنك نفذت حلمك.
معظم أحلامنا وأهدافنا التي لا تتحقق تكون نتيجة برمجتنا الخاطئة وتخيلنا للأهداف وتحدثنا عنها. هذه البرمجة تعطي العقل إشباعًا، وكأنها توهمه بأنه قد حقق الهدف فيتوقف ولا يكمل، ويؤدي هذا إلى الفشل في تحقيق أهدافنا.
من فنون التعامل مع الحزن التفريغ
يجب على المرء عندما يشعر بالحزن والألم
أن يسمح لنفسه بتفريغ كل ما يضايقه حتى ولو صرخ، بعدها سيشعر بالراحة النفسية
الكثير من أطباء النفس يطلبون من مرضاهم كتابة ما يشعرون به لتقليل الضغط النفسي،
كذلك فإنّ التمارين الرياضة خير علاج، لأن العقل السليم في الجسم السليم.
والموسيقى تخفف التعب، خاصة موسيقى الطبيعة كصوت البلابل والعصافير وخرير الماء وحفيف الشجر.
الحزن يأتي ويذهب، ليس هناك حزن أو فرح أبدي الحضور، بل يتعاقب الحزن والفرح في حياتنا مثل تعاقب الليل والنهار، فهناك من يستفيد من حزنه ويحوله إلى إنجاز، مثلا كتابة قصيدة أو قصة أو رواية، أو حتى تحقيق اختراع، فالمبدعون كالشعراء والأدباء، يحولون المعاناة إلى فلسفة وجدانية تكون بيت إبداعهم.
كما يجب تدريب العقل على تقبل الأخطاء وحدوث الفشل.
أي عمل يخرج للعلن لابد أن يمر بتجارب فاشلة يتضمن عدة محاولات من التكرار والإعادة.
كل ما نراه حولنا من إنجازات مرت بمراحل التجربة غير المكتملة ومن ثم أصبحت واقعا.
كذلك هناك فرص ضائعة لكن لا تنتهي، ويجب إحسان الظن بالله، والامتنان لنعمه التي لا تعد ولا تحصى، واليقين بمحبة الله سبحانه وتعالى للعبد، فهذا يقلل من شراسة الحزن، ويرفع القيمة الذاتية والثقة بالنفس وتقديرها، وتقوي نقاط الضعف في الشخصية.
وأخيرا.. الإنسان كائن اجتماعي ينمو ويتكاثر ويعيش ضمن جماعة بشرية يتواصل معهم ويتفاعل، فيشعر بالأمن والأمان والراحة. فالحزن يبعده عن الناس يجلسه في قوقعة مغلقة، يجب أن يكون حول المرء أشخاصٌ يثق بهم يساعدونه على تخطي حزنه ويكونوا مصدرا لسعادته، وملجأ له من حزنه.
More Stories
أنشودةُ أبي ” للشاعر : محمد فتحى السباعى _ مصر
شاطرني طيفي الهائم ” للشاعرة : جمانه كردي _ سوريا
أ.د محمد مهنا دراسة نقدية لقصيدة ” نطفة مهربة ” للشاعرة التونسية : مجيدة محمدي