مطر على خدود ياسمينة الجزء الثاني
قدرات ياسمينية
عظيمة لحظة الإنكسار تلك… ترتفع معها كل الأفكار السوداء التي من واجبها أن تقضي على تلك الشعلة المتقدة في قلبها،
هل سيتركني؟
هل سيكون كالباقين؟
كيف سيصدق أن ما أهداني إياه قد سرق وفي نفس الليلة،
ترفع سبابتها و تنحي بها على الرصيف الذي أصبح مبللا قليلا وترسم قلبها هناك وبجانبه الحرف الأول لمن تحب،
لكن الغيوم كريمة وسخية هذه الليلة، حتى القلب الذي شغل مساحة من فراغ الرصيف، سال وكأن شيئا لم يكن هناك،
تقف رويدا رويدا، وتندب حظها، الخطوات المتثاقلة تأخذها حيث لا تدري، وكأنها أصبحت لاتريد العودة لبيتها، تاركة نفسها تحت رحمة البلل، تقف بجوار ياسمينة متدلية من شرفة أحد منازل الجيران،
الأزهار رحلت عن أغصانها منذ مدة طويلة، والأوراق تقول للمطر ألا يكفيك انهمار، كل نقطة في جسدنا لا تزال تحمل ثقل قطراتك حتى مالت أعناقنا،
تتساءل ياسمينة هل تشبهني هذه النبتة إلى هذا الحد،
وأثناء تأملها للياسمينة المتدلية، يتسلل إليها صوت دافئ اعتادت على سماعه،
يا سكر الكلمات….
تلتفت خلفها لا شعوريا، إنه حقا هو…
ما الذي تخبئه بعد هذه الليلة،
الآن يجتاحها شعورين غريبين متمازجين تبكي وتضحك،
تنظر في وجهه وتدير بصرها عنه بسرعة،
الخجل… الخوف… الألم… يمنعنها من البوح،
يحلق بكفه الحنونة نحو خدودها، ومن هناك يدير وجهها بدفء، رافعا بكفه الأخرى خاتم الماس المسروق، ويضعها في إصبعها حتى يعيد لها الشيء الأغلى و الذي سرق منها في لحظة استغراقها به،
لاشيء أغلى من ابتسامة ياسمينة على قلب وسيم.
هاهو يمسح الكحل الذائب على وجناتها كسيل أسود بمنديله المعطر بأحرف اسمها
العطر الذي لا يفارق وسيم منذ أن أهدته تلك القارورة قبل أسبوع، بعد أن اشترته من متجر جنة العطور الواقع في مفترق طرق أسواق دمشق، سوق الذهب والحميدية و البزورية ووووو
وكأنه جزيرة يقبل عليها الجميع
وكأنه ملتقى لجمال دمشق و روائح أسواقها
أوكأنه مبتغى لكل مسافر ضل الطريق.
كل ما مسحه وسيم بين جفنيها و خديها يعود للسيلان و كأن المطر يعاقبه على أنه تركها تذهب لوحدها في التكسي،
لكنه أراد أن يغير وجه سمائه وهو يلوح لها بالخاتم الماسي،
وحتى يوفر على نفسه أسئلتها، الكثيرة، يضع سبابته على باب فمها، يومئ لها بالصمت، ثم يرفع أصبعها من جديد ليزينه بالخاتم.
لم يكتف المطر بهطوله الغزير، بل جعل سماء دمشق تضيء بوهج برقه، وجعل من صوت الرعد هروبا لياسمينة إلى أحضان وسيم.
لكن ماهذا البرد الشديد، تنظر إلى مابين ذراعيها، لا شيء يلامسها،
عجبا هل كان الرعد يسلط الضوء على ألمها، و الرعد يصرخ مزمجرا ليشحذ همة الغيوم.
ترفع رأسها للسماء، ثم تنظر إلى النبتة المتدلية بأغصانها و تمسك بأحد فروعها وتقول: أنت الوحيدة التي تحس بوجعي الآن فأسعفيني ومع نهاية آخر حرف تسقط على الأرض تاركة الإغماء يقفل على حواسها.
لأول مرة تحس النبتة بحجم الحمل الذي رمي على عاتقها،
فكرت قليلا ثم جمعت كل ما لديها من طاقة لتوقظ به دمشق،
الآن عطر الياسمين يحلق بأجنحته مع الريح و المطر والطين، يتسلل من النوافذ و الأبواب، الكل بدأ يبحث عن مصدر الرائحة، وبسرعة كبيرة تجمهر الناس حول الياسمينة، أحدهم حملها إلى سيارته، الكل يسأل إلى أين؟ يجيب إلى مشفى المواساة.
يدخلها إلى قسم الإسعاف، الأطباء يبذلون قصارى جهدهم لإزالة الحمى، هاهي إبرة المسكن تأخذ مفعولها لتخلد في نوم عميق.
بعيدا عنها في الممر المؤدي للعيادات الإسعافية الكل يسأل: كيف حالها؟
هل هي بخير؟
وأثناء تطمين الطبيب للجميع، تتسلل تلك العينان نحو سريرها،
ثم تبدأ كفاه بصفع وجهه بقسوة عدة مرات حتى تدمع عيناه، و ينزل على ركبتيه ثم يبدأ بالتأسف و حتى لايطيل عذابه أكثر، يضع الخاتم في إصبعها،
ثم يخرج بخطا متسارعة من المشفى حتى لا يشاهد حماقته وعظيم جرمه أحد،
تبتسم النبتة بعد أن استطاعت بعطرها أن تغير من أخلاق السارق، وتعيده إلى أحضان دمشق كطفل يكره أي خطيئة،
ومن ثم تطلب من الغيوم أن تغسل كل هموم دمشق بانهمارها قدر المستطاع، يضيء البرق النافذة المطلة على سرير ياسمينة، ثم يزلزل البرق السماء بصوته،
تستيقظ ياسمينة، تشعر بثقل في أصبعها، يفاجئها الخاتم بأنه في مكانه، تبكي من شدة فرحها و تطير عبر أجنحة الأثير قبلة لمن وقف معها في شدتها.
More Stories
المستشار على سالم يكتب : كل مقومات الصعوود
ما أصعبُ هذا الحب ” للشاعرة : انتصار احمد جويلى _ مصر
كتير عليه ” للشاعرة : راوية حسن _ مصر