21 فبراير، 2024

” الْعَسَل الْمُرّ ” للأديبة : فَاطِمَة مندي _ مصر

فاطمة

فاطمة

تَلأْلأَت خُيُوط الْحَبّ تبشرها بصباح سينتشر فِي رُبُوعِ أَيَّامِهَا ، وينتشي خافقها الَّذِي مَا زَالَ غَضّ ، تتشبع مِنْ هَذِهِ الخُيُوطُ الَّتِي تَمَنَّت أَن تُنْسَج لَهَا ثَوْبٌ مِنْ الْحَبِّ ؛ كَي تزخرفه بعبارت رنانة ، وتصطف فِي بُحُورِ الْعِشْق الَّتِي طَالَمَا حَلَمْت بِهِ أَيَّامَ وَأَيَّام .
عَلِيّ طَاوَلَه النّقّاش أَمْسَكَت الْأُمّ وَالِابْنَة طَرَفَي الْمُشْكِلَة ، شَدّ وَجَذَب ، كِلاهُمَا يُرِيد إقْنَاعٌ الْآخَر بِوَجْهِه نَظَرِه ،

إلَيَّ أَنْ وَصَلَتْ الْمُنَاقَشَة إلَيّ طَرِيق مَسْدُود .

حَاوَلَت الْأُمّ بشتى الطُّرُقِ أَنْ تُنِير لِلِابْنَة الطَّرِيق ، أَنْ تُشْرَحَ لَهَا مَعَ مَنْ سَوْف تَقْضِي حَيَاتِهَا ، وَإِن الْحَيَاة بَيْنَهُم شَبَّه مُسْتَحِيلَةٌ ؛ لِأَنّ أَفْكَارِهِم مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَن تَتَقَابَل فِي نُقْطَةٍ ، وسيمضي الْوَقْت مسرعاً ، وتصحوا عَلِيّ كَإِرْثِه ، فأعرافهم وحياتهم عَكْس اعرافنا وحياتنا .
لَمْ تُسْتَمَعْ بَل سَيْطَر عَلَيْهَا هاجِس الْحَبّ فَقَط ورونقة الْعَاطِفَة ، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّة تَبْدَأ بِخَلْع الأقنعة .

عَلَا صَوْت الِابْنَة : ثقي يَا أُمِّي إنَّنِي لَن أَتَزَوَّج غَيْرِه ، أهواه بَل أعشقه .
حَاوَلَت الْأُمّ بشتى الطُّرُق إقْصَاءٌ الِابْنَة عَن مَوْقِفَهَا دُونِ جَدْوَى ، رُضِخَت الْأُمّ لِرَغْبَة الِابْنَة ، أَسْفَه عَلَيَّ هَذَا الِاخْتِيَارُ غَيْر المتكافئ ؛ فَاَلَّذِي تُرِيدُه الِابْنَة يَقْطُن بَلَد عَرَبِيٌّ ، وَهُنَاك عِدَّة عَراقيل تُوشِي بِعَدَم نَجَاح هَذَا الزَّوَاج ، فَرْق شَاسِع فِى الثَّقَافَات وَالْحَيَاة عَادَات وتقاليد تَخْتَلِف وعاداتنا الْمِصْرِيَّة فِي كُلِّ شيئ .
حَاوَلَت الْأُمّ وَضَع العَرَاقِيل إمَام العَرِيس فغالت فِي كُلِّ شَيِّ كَي تقصيه عَنْ ابْنَتِهَا لَكِنَّه ذَلَّل كُلّ العَرَاقِيل .
تَمّ الزَّوَاج رَغِم كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْأُمّ وَالْأَب رضخوا لِرَغْبَة الِابْنَة متصلبة الرأى مرغمين .
فِي أَوَّلِ يَوْمٍ زَوَاج أَضَاء نُور اخْتِلَاف الثَّقَافَات بازغاً عَلَى سَطْحٍ الْوَاقِع ، اِحْتَدّ النّقّاش بَيْن العَروسَيْن حَوْل أُمُور تَافِهَة ، لَكِنَّه الْعَقْل الْمُخْتَلَف ، كَانَ يَصْعَدُ الْمَوْضُوعَات بِشَكْل مُخِيف ، بَدَأَت سِلْسِلَةً مِنْ الْخِلَافَاتِ الَّتِى غالباً مَا تَكُونُ بِدَايَتُهَا أُمُور تَافِهَة ، ويتفاقم الْأَمْر حَدّ النُّواح ، دمرت الْخِلَافَات خَيْط الْعِشْق الْوَاهِم بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَبَدَأ كِلاهُمَا يَكِيل الاتهامات لِلْآخَرِ عَنْ أَشْيَاءَ تَافِهَة وَمِنْ خِلَافِ إلَى خِلَافٍ حَتَّي جائهم مَوْلُود صَغِيرٌ .
لَمْ يَشْفَعْ الْمَوْلُود للخلافات أَن تخفت ، بَل الْعَكْس كُلَّمَا تَناقَش الزَّوْجَانِ فِي أَيِّ أَمْرَ يَتَصَاعَد حِدَة الْخِلَافِ وَيَخْرُجُ خَارِج نطاقهما .
حَارّ الْأَبَوَان بَيْنَهُمَا ، وَصَلَا إلَى طَرِيقِ شَبَّه مَسْدُود . حَارَت الْأُمِّ مَعَ الِابْنَة وَقَالَتْ لَهَا معنفة : أَلَمْ أَقُلْ لَك هَذَا قَبْلَ الِارْتِبَاط ؟ ! ! ! ، أَلَمْ أُخْبِرْك إِنَّ لَهُمْ أفْكَار غَيْر أفكارنا ، وثقافة غَيْر ثقافتنا ؟ ! ! ! .
بَكَت الِابْنَة وَأَحْرَق بُكَائِهَا قَلْبِ الْأُمِّ . هدأّت الْأُمّ الِابْنَة وَسَأَلَتْهَا فِي هُدُوءٍ : مَاذَا تُرِيدِين ؟ قَالَت الِابْنَة : الِانْفِصَال . ربتّت الْأُمِّ عَلَى كَتِفَيْهَا مُحْدَثَة : كَمَا تُرِيدِين . وَلَكِن لَك طِفْل مِنْه وَأَنْت مَازِلْت صَغِيرَة ، وَلَو أردتي الزَّوَاج مَرَّةً أُخْرَى ؛ سيأخذ مِنْك الطِّفْل ، فَهَل تُرِيدِين الِانْفِصَال ؟ بَكَت الِابْنَة مَرّ الْبُكَاء مُعَلَّلَةٌ : يَا أُمِّي أَنَّهُ إنْسَانٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ ، أَتَحَدّث عَنْ عَقْلِ لَا يُفْهَمُ ، وَقَلْبٍ لَا يَشْفَعُ ، وَطُبِع لَا يُرْضَخ ، لَقَد مَزَّق كَرَامَتِي ، وَحُطِّم تِمْثَالٌ الزَّوْج عِنْدِي ، عاملنى بِقَسْوَة ، ونعتني بِالتَّخَلُّف ، وَعَجَز ي عَنْ تَحَمُّلِ المسئولية ، يُشَكَّكُ فِي كُلِّ شيئ تربيت عَلَيْه .
رُدَّت الْأُمِّ فِي حُكْمِهِ : هَكَذَا تَخْتَلِف الثَّقَافَات مِنْ بَلَدٍ إلَيّ آخَر ، مُخْتَلِفُونَ فِي أَفْكَارِهِم ، عَادَتُهُم ، تقاليدهم تَخْتَلِف عَنَّا تماماً .
، يُؤْمِنُون بأفكارها كَمَا نَحْنُ نُؤْمِن بأفكارنا عاداتنا ، وَهَذَا مَا رفضته مِنْ أَجْلِهِ لَمْ أرفضه لشيئ يَعِيبُه كَشَخْص ، وَلَكِن رفضي لَهُ يَا بِنِيَّتِي مِنْ أَجْلِ مَا تُعَانِيهِ الْآن ، كُنْتُ أَرَى كُلَّ هَذَا مُسْبَقا ، لَكِنَّهُم عموماً يتزوجوا مِن ذويهم ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ بَييّه وَاحِدَة ، أمَّا وَقَدْ خَرَجُوا مِنْ بيئتهم ، فَلَا بُدَّ مِنْ صَدّام الحضارات هَذَا ، فَفَرَّق الثَّقَافَات ، عِنْدَمَا يتزاوجون يُحَدِّث الكَارِثَة ، وَيَدِبّ الْخِلَاف القاتل
الْقَاتِل .
قَالَت الِابْنَة : وَبَعْد ؟ .
عُلِّلَت الْأُمِّ فِي عَقْلِ : كَمَا تُرِيدِين ، أَنَّهَا حَيَاتِك أَنْت ، وتذكري طفلك عِنْد اخْتِيَارِك للحلول .
سَأَلْتُهَا الِابْنَة : ورأيك أَنْتَ يَا أُمِّي ؟
قَالَت الْأُمِّ فِي صَرَامَة : الْآن تُرِيدِين نَصِيحَتِي ؟ ! ! ! لَا رَأْيَ لِي , هَذِه حَيَاتِك ، افْعَلِي مَا تُرِيدِين ، نَحْن أَهْلِك مَهْمَا حَدَث ، نَخَافُ عَلَيْكَ ونؤيدك فِي أَيِّ قَرَارٍ تتخذية .