19 أغسطس، 2026

” رِسَالَة مَيِّت ” للأديبة : فاطمة مندى _ مصر

فاطمة

فاطمة

طيلةعدة سَنَوَات وَحِين تَأْذَنَ لِي وَحْدَتِي ، اذْهَب مَعَهَا حَيْثُ أَكُون ، اِخْتَلَس بعضاً مِن نَسَمَات الصَّمْت وَالسُّكُون ، أَطَلَّ مِنَ نَافِذَتِي الَّتِي أَسْطُو بِهَا عَلَى عوالمي الْمَفْقُودَة ، قَلْبِي يصرعلي أَن يَجْتَرّ الذِّكْرَيَات الدَّامِيَة ، يطربني صَوْت نزيفه وأنينه أَبْكِي ، صَوْت تَمَزَّق أَوْصَالِي يَصُم إذْنِي ، أمط شفتياي فِي مُحَاوَلَةِ لِتَجَنُّب الاحْتِكَاك بِسَطْح ذكرياتي العفن ، فَشُلَّت فِي مُحَاوَلَةِ نِسْيَان الْأَلَم النَّفْسِيّ ، مَع ذِكْرَى لَاهِي صالحتني و لَا هِيَ أفلتتني لأذهب بِسَلَام .
كُلِّ مَسَاءٍ أُدْفَن رَأْسِي و كُلِّيٌّ تَحْت الْوَسَائِد والأغطية ، لَكِن هَيْهَات ، فرنين هَمَس الذِّكْرَيَات كصدى صَوْت فِي وَادٍ مُقْفِر ، يوجعني وَيُقْفِل عَلَيَّ كُلُّ مَنَافِذ الْهَرَب ، اِشْتَاق أُمِّي كَمَا دوماً ؛ كَي تَرِبَت كَعَادَتِهَا عَلَى خافِقِي ، لَكِنَّنِي لَمْ أَجِدْهَا ؛ فَلَقَد ذَهَبَت رُوحِهَا الطَّاهِرَة إلَى بَارِيهَا ، كَم بِتّ أُكْرِه أَيَّامِي بِدُونِهَا ، لَقَدْ كَانَتْ الْجِسْرَ الَّذِي يُرْبَطُ اخوَتنا بِخُيُوط فولازية ، ففراقها بَات مُرَادِفٌ لِلْإِهْمَال و التجاهل و التَّقْصِير بَيْنَنَا ، وَبَاتَت كَلِمَة الْإِخْوَة لَا مَعْنَى لَهَا فِي عَالَمِ تَحْكُمُه الْمَصَالِح .
مُنْذ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ لَمْ يَأْتِ إخْوَتِي و أخواتي لزيارتي ، وَلَم تَطَأ أَقْدَامِهِم أَسْفَلْت شارعي ، عَلِيّ أَثَر مُشادَّة كَلَامَيْه بَيْنَهُم وَزَوْجَتِي ، لَمْ تَتَصَاعَدْ الْخِلَافَات بَيْنَهُم ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ بَيْنَهُم سَقْف الْمُنَاقَشَة لِلْحَدّ الَّذِي يغزلون بِهِ ثَوْبٌ هَذِه المقاطعة المفتعلة ، لَم اتطرق لِلْأَمْر ، وَتَرَكْت الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِل .
بَعْدَ بِضْعَةِ أَشْهُر ، الْأَمْرِ لَا يَنْتَهِي بِالطَّوَاف حَوْل مَنَازِلِهِم ، إنَّمَا كُنْت اِخْتَلَس نَظَرَات وخطوات اذْهَب إلَيْهِم ، كُنْت أَمْيَل إلَيّ مُلَامَسَة حَضَن الْإِخْوَة
الدافئ ، الَّذِي كَانَ قديماً يطوقني ويحسسني بِالْحَيَاة ، حَتَّى أَلَّفْت هَذَا الطَّوْقُ الَّذِي انْكَسَرَ
و مَال ، فَقَد تَعَلَّمْت فِي طَوْقِ هَذَا الحِضْن الدفيء مُغازِل الْحَيَاة .
قَدْر مَحْتُومٌ إنْ أَحَاطَ بِتِلْك الْجُدْرَان الَّتِي تَنْتَشِر بِدَاخِلِهَا نِيرَان الْفِرَاق ، و الَّتِي حَالَتْ بَيْنِي وَإِخْوَتِي ، وَاَلَّتِي طَال جُلُوسِي فِي حِجْرِهَا ، أتمني دائماً لَوْ أَنَّ زلزالاً حَدَثَ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ ، وَأَهْلَك تِلْك الْجُدْرَان وَأَسْقَطَهَا ، أوأحدث فِيهَا شرخاً ؛ كَي تتهاوى وتخر ، كَيْف أَنْفَذ إلَى بَوْحٌ فَضَاء علاقتنا ؟ !
شَرِبَتْ مِنْ كُؤُوس الصَّبْر وتجرعت مَرَارَة بَعْدَهُم عَنِّي ، توددت إلَيْهِم مراراً ، زِيَارَة تِلْو زِيَارَة ، اِغْتَنَمَ فُرْصَةَ المناسبات السَّعِيدَة أَو الحزينة ، أحَلق بَيْنَهُم كَعُصْفُور صغيرلا يَقْو عَلِيّ الطَّيَرَان وَفَقْد عُشَّة ، تَمَنَّيْت غفرانهم بَل وَدِدْت بِشِدَّة مَدّ جُسُورٌ الْوُدّ بَيْنَهُم وَأَهْلِ بَيْتِي ، حَاوَلَت كثيراً الاْقْتِرَاب مِنْهُم جميعاً ؛ وَلَكِنَّنِي دَوْمًا كُنْت أَدُورُ فِي نلك الدَّوَائِر الْمُغْلَقَة ، وَسُرْعانَ مَا أَعُود وَارْتَدّ وَلَا أَنَال مبتغاي ، لَمْ أَجِدْ سِوَى أَغْصَان يَابِسَة أَفْقَدَهَا بَرْد الْخَرِيف حيويتها .
ذَاتَ يَوْمٍ غفوت عَلِيّ فِرَاشِي ، وُجِدَت اِبْتِسَامَةٌ أُمِّي تواسيني ، فِي الصَّبَاحِ قَرَّرْت إعَادَة الْمُحَاوَلَة لِرَبْط الْعَلَاقَاتِ الَّتِي قَطَعَتْ مُنْذ عِدَّةَ سَنَوَاتٍ ، اِرْتَدَيْت اسفاً وَلَم أَنِل مبتغاي ، قَالَ أَحَدُهُمْ بِصَوْت كفحيح أَفْعَى : لَن تَطَأ أَقْدَامِنَا مَنْزِلِك .
. لَقَد نسفت قساوتهم جُسُورٌ قَد مددتها إلَيْهِمْ فِي مُحِيطِ علاقتنا المهترئة .
عَزَفَت ذائقتي مؤخراً عَن ملاحقتهم ؛ بَعْد فقداني الْأَمَلِ فِي غَزْلٍ ثَوْبٍ جَدِيدٍ لعلاقتنا الممزقة .
قَرَّرْت الاِبْتِعَاد قَدْر استطاعتي ، لَقَد أَصَابُوا كبريائي فِي رَبِيعٍ قَاحِلٌ ، ونشبت أَظَافِر قساوتهم جُدْرَان خافقى .
ذَات مَسَاء أَحْسَسْت بِشَيْء يَنْسَلِخ مِن جَسَدِي ، فَعَلِمْت أَنَّهَا نهايتي واللحظات الْأَخِيرَة ، لَم انْزَعَج مِنْ لِقَاءِ رَبِّي بَلْ عَلَى الْعَكْسِ كُنْت فرحاً بِهَذَا اللِّقَاء ، فطيلة حَيَاتِي لَمْ أُقَدِّمْ عَلَى أَيِّ فَعَلَ يُسِيء لِي ، بَلْ كُنْت مِنْ رَوَّاد الْمَسَاجِد ، مَع إنَّنِي اقتنّ دوراً مُرْتَفِعًا ، كُنْت اتلذذ بِالْمَشَقَّة ، لِأَنَّنِي اعْلَمْ أَنَّ الثَّوَابَ عَلِيٍّ قَدْرِ الْمَشَقَّة ، ذَهَبَتْ رُوحِي إلَيّ بَارِيهَا وَأَنَا مُطْمَئِنٌّ ، فَلَقَد حَاوَلَت مراراً أَن أذوب الْخِلَافَات وأقَرب الْمَسَافَات