14 يونيو، 2024

” إبن أمي وأبي ” للأديبة : هالة لاشين _ مصر

هالة

هالة

تقف هنية فوق سطح منزلها بعد العصر تنظر للآفاق البعيدة . تتأمل الأشجار الخضراء التي تبدو متراصة على آخر مرمى البصر . تراقب الفلاحين والحقول والطرق وتتعرف على المارين أمام منزلها من أهل قريتها . يلتقط بصرها بعيدا على الطريق رجلا يخفق برؤيته قلبها رغم أنه بعيد لدرجة لا تمكنها من إدراك شيئ من ملامحه . تهمس لنفسها : كم يشبه هذا الرجل أخي أحمد في هيئته وطريقة سيره . لكن لا أعتقد أبدا أن يعاود زيارتي . كم كنت قاسية عليه . غريبة طبيعة هذا الأخ الذي يتحملني بصبر لم أعهده في بشر . وفي كل مرة أثق تماما أنه سيقاطعني . ولم يفعلها أبدا . أخطئ دائما في حديثي معه وخلافاته البسيطة مع إخوتي بصورة كثيرا ما أبالغ فيها وكثيرا ما تتبين لي براءته بعد ذلك . لكنها سرعة الغضب الذي يتملكني واعتزازي بنفسي الذي يمنعني من الاعتذار في كل مرة . لكن هذه المرة تختلف الأمور . فما فعلتُه في المكالمة الهاتفية الأخيرة تجاوز كل الحدود . لم يقتصر سبِّي له كالمرات السابقة بل امتد لزوجته أيضا . لم يكن لي الحق أبدا أن أفعل معه ذلك . فما شأني ببيعه لميراثه من أبيه . ولماذا أثور بعد ما بعت أنا ميراثي من أبي ؟
تنظر بعيدا باحثة عن شبيه أخيها وتتابعه فتجده يقترب حينا ويبتعد حينا آخر .
تعاود فتقول : هو أكثر إخوتي حرصا على صلة الرحم . لم يخذلني أبدا وقت حاجتي وكان السند الذي لا يتخلى عني .
تنظر بعيدا على الطريق لمتابعته وإذا به قد اختفى تماما . تجلس حزينة على الأرض مستندة على السور قائلة : أعرف أنه لن يأتي لكن أشعر بشوق جارف إليه ورغبة في تقبيله والاعتذار له . تبكي وتمسح دموعها بطرف عباءتها وتنتبه على صوت حفيدها : يا ستو . جدو أحمد جه تحت .
تنطلق هنية كطير أطلق سراحه لملاقاه أخيها تحتضنه بشدة وتقبله . يا حبيبي حمد الله ع السلامة .
يجلس أحمد على أحد الكراسي بغرفة الصالون وتجلس أخته بجواره .
ولادك عاملين إيه ؟ ومراتك كويسة ؟ صحتك عاملة إيه ؟ طمني عليك يا أخويا . إنت كويس يا أحمد ؟ إتغديت ولا لسة ؟ طب تشرب شاي ولا عصير ؟
عشرات الأسئلة ألقتها عليه أخته لم يرد أحمد على أي سؤال منهم .
تحضر كوبا من العصير : إشرب يا أحمد .
لم يبد أحمد أي رد فعل بالفعل أو حتى بالكلمة .
تسأله أخته : إنت مش بترد عليا ليه يا أحمد ؟
أحمد : أنا مش هاكلمك . وزيارتي مش عشانك دي عشان ربنا .
وانتي مش مجبرة تعامليني باحترام . سبِّيني وهينيني وقت ما تحبي . مش هاعترض لأني مش منتظر حقي منك . بس مش هابطل ازورك عشان ده حقك عليا . هافضل سندك ووقت ما تحتاجيني هتلاقيني . لكن مفيش كلام بيننا .
تنظر هنية إلى أخيها وعيناها ممتلئة بالدموع . تقف وتشرع في الحديث وفجأة تقع على الأرض مغشيا عليها . يحمل أخته إلى سريرها ، يغسل وجهها ، ينظر إليها كم هي مسكينة الآن . يجفف دمعة انحدرت على خده . تفيق من إغماءتها لتجد نفسها على صدر أخيها .تحتضنه بشدة قائلة : أنا آسفة . أنا عارفة إني مش مؤدبة في أسلوبي معاك بس …..
يضع يده على فمها فتسكت يبادر قائلا : بعدين يا هنية . بعدين هنتكلم كتير .