حين ارتدى القمر عباءة الظلال
خبأتُ أسراري في فهرسِ الأيام
كانت مرتبةً كدفاترِ الرياضيات
لا تخطئُ رقمًا
ولا تُربكُ ذاكرةَ الرفوف
وكانت تنامُ في أماكنها
كأنها تعرفُ أن الزمنَ أمينُ مكتبةٍ لا يعبث
لم تكن يومًا تثيرُ الفوضى في داخلي
بل كانت تمشي على أطرافِ روحي
بخفّةِ غيمةٍ
تنسى ظلَّها فوق الحقول
كانت نديةً كصباحاتِ تشرين
حين يكتبُ الندى رسائلَه
على أوراقِ الأشجار
بلغةٍ لا يقرأها سوى العابرين نحو الضوء
وأنا…
كنتُ بئرًا عميقًا،
كلُّ حجرٍ يُلقى في قلبي
يتحوّلُ إلى دائرةٍ من الصمت
وكلُّ صدى
يعودُ إليّ بإسمٍ لم أولد به
ذاتَ يومٍ
سرقَ أحدهم ضوءَ القمر
وخبّأه داخلَ عباءته
فاستيقظتِ السماءُ
وهي تتحسّسُ وجهَها المفقود
وصارت النجومُ
تتعثّرُ بخيوطِ العتمة
كعصافيرَ نسيتْ طريقَ العودة
ومنذُ ذلك الحين
صارت الرزانةُ تحاورني
تجلسُ قبالتي
وتصبُّ لي فنجانًا من الصمت
ثم تسألني:
كم بابًا يحتاجُ الغيابُ
ليصبحَ وطنًا؟
وأجيبها
بابتسامةٍ لا يراها أحد،
لأن وجهي
تركه الزمنُ معلّقًا
على مسمارِ المسافات.
أصبحتُ أرتّبُ خرائطَ الحنين
كما تُرتَّبُ المرايا في بيتٍ مهجور،
وأجمعُ بقايا الضوء
من جيوبِ الغيوم،
وأخيطُ للفراغِ معطفًا
كي لا يرتجفَ في ليالي الشتاء
ثم أدركتُ
أن الأسرارَ لا تضيع
بل تغيّرُ أسماءها،
وأن القمر،
مهما أخفوه داخلَ العباءات
يتركُ خيطًا من بياضه
يدلُّ العتمةَ على نفسها
لهذا أمشي الآن
وفي جيبي ليلٌ صغير،
وعلى كتفي نافذةٌ تؤدي إلى اللاشيء
أصافحُ الظلالَ كأنها أصدقاءٌ قدامى
وأتركُ قلبي مفتوحًا للغياب،
لأنني تعلّمتُ أخيرًا
أن أكثرَ الأشياءِ اكتمالًا…
هي تلك التي لم يعثر عليها الضوءُ بعد
قفص صغير يحتضن أفكاري ” للشاعرة : مريم مصطفى _ سوريا
مريم مصطفى
More Stories
ما تُبقيه السُّنون” للشاعرة : ندى عبد الله _ مصر
كانت بيننا حمامة ” للشاعرة : داليا رأفت _ مصر
كيف ” للشاعرة : آسيا حملاوي _ الجزائر