16 سبتمبر، 2026

‏قفص صغير يحتضن أفكاري ” للشاعرة : مريم مصطفى _ سوريا

مريم مصطفى

حين ارتدى القمر عباءة الظلال
‏خبأتُ أسراري في فهرسِ الأيام
‏كانت مرتبةً كدفاترِ الرياضيات
‏لا تخطئُ رقمًا
‏ولا تُربكُ ذاكرةَ الرفوف
‏وكانت تنامُ في أماكنها
‏كأنها تعرفُ أن الزمنَ أمينُ مكتبةٍ لا يعبث
‏لم تكن يومًا تثيرُ الفوضى في داخلي
‏بل كانت تمشي على أطرافِ روحي
‏بخفّةِ غيمةٍ
‏تنسى ظلَّها فوق الحقول
‏كانت نديةً كصباحاتِ تشرين
‏حين يكتبُ الندى رسائلَه
‏على أوراقِ الأشجار
‏بلغةٍ لا يقرأها سوى العابرين نحو الضوء
‏وأنا…
‏كنتُ بئرًا عميقًا،
‏كلُّ حجرٍ يُلقى في قلبي
‏يتحوّلُ إلى دائرةٍ من الصمت
‏وكلُّ صدى
‏يعودُ إليّ بإسمٍ لم أولد به
‏ذاتَ يومٍ
‏سرقَ أحدهم ضوءَ القمر
‏وخبّأه داخلَ عباءته
‏فاستيقظتِ السماءُ
‏وهي تتحسّسُ وجهَها المفقود
‏وصارت النجومُ
‏تتعثّرُ بخيوطِ العتمة
‏كعصافيرَ نسيتْ طريقَ العودة
‏ومنذُ ذلك الحين
‏صارت الرزانةُ تحاورني
‏تجلسُ قبالتي
‏وتصبُّ لي فنجانًا من الصمت
‏ثم تسألني:
‏كم بابًا يحتاجُ الغيابُ
‏ليصبحَ وطنًا؟
‏وأجيبها
‏بابتسامةٍ لا يراها أحد،
‏لأن وجهي
‏تركه الزمنُ معلّقًا
‏على مسمارِ المسافات.
‏أصبحتُ أرتّبُ خرائطَ الحنين
‏كما تُرتَّبُ المرايا في بيتٍ مهجور،
‏وأجمعُ بقايا الضوء
‏من جيوبِ الغيوم،
‏وأخيطُ للفراغِ معطفًا
‏كي لا يرتجفَ في ليالي الشتاء
‏ثم أدركتُ
‏أن الأسرارَ لا تضيع
‏بل تغيّرُ أسماءها،
‏وأن القمر،
‏مهما أخفوه داخلَ العباءات
‏يتركُ خيطًا من بياضه
‏يدلُّ العتمةَ على نفسها

‏لهذا أمشي الآن
‏وفي جيبي ليلٌ صغير،
‏وعلى كتفي نافذةٌ تؤدي إلى اللاشيء
‏أصافحُ الظلالَ كأنها أصدقاءٌ قدامى
‏وأتركُ قلبي مفتوحًا للغياب،
‏لأنني تعلّمتُ أخيرًا
‏أن أكثرَ الأشياءِ اكتمالًا…
‏هي تلك التي لم يعثر عليها الضوءُ بعد