19 أغسطس، 2026

ريم النقرى السورية تكتب أدب الوجبات السريعة

ريم النقرى _ سوريا

ريم النقرى في البدء كان التعليق كلمة عابرة، نتركها خلف منشور كأثر قدم على رمل. لكن الفضاء الإلكتروني حوّلها إلى جنس أدبي هجين، نكتبه جميعاً ولا يتقنه إلا القليل. نحن اليوم نعلق على كل شيء: قصيدة حب، خبر زلزال، صورة قطّة، وكأن العالم صار لوحة فارغة لا تملأها إلا أصابعنا.

التعليق ليس رداً، بل كشف. مرآة تعكسنا نحن لا النص. حين تترك تعليقاً، تترك جزءاً من روحك، مزاجك، هواجسك. الغاضب يترك سخرية، والحزين دمعة افتراضية، والعاشق يبوح باسم لا يراه أحد. كل تعليق بصمة، لكنها لا تُرى بالعين، بل تُقرأ بالشعور.

لكن المفارقة أننا في زمن التعليقات السريعة، نكتب بأصابع تلهث خلف الإعجابات. نختصر ردنا على قصيدة مذهلة بـ”رائع”، وكأننا نتذوق طبقاً شهياً ثم نقول للطاهي “ممتاز” دون أن نصف النكهات التي أبكت أذواقنا. أليس هذا خيانة للكلمة؟ وأليس من الظلم أن نمر على محيط شعري، ونترك له تعليقاً كقطرة ندى؟

ثم سؤال آخر: هل التعليق نص مستقل أم أسير النص الأول؟ الجواب أنه كلاهما. ولد شرعي للنص، لكنه يحمل من روح القارئ الذي يكتبه. إنه حوار صامت بين كاتبين، حاضر وغائب، وهذا الحوار يخلق المعنى الحقيقي في الفضاء بين المنشور والتعليقات.

لكن المشكلة في أخلاقيات التعليق. الحرية الممنوحة حوّلت بعض التعليقات إلى ساحات معارك، مدارس لفظاظة، منابر تسلط مقنع. هناك من يعلق كأنه يلقي خطاباً تاريخياً، وهناك من يعلق ليثبت وجوده، وهناك من يعلق ليدمر. وفي وسط الفوضى، نبحث عن تعليق صادق، عن كلمة طيبة تزرع شجرة لا تذبل. لكن السائد هو التعليق الاستهلاكي، السريع، السطحي: أدب الوجبات السريعة، يشبع لحظة ثم يترك فراغاً.

وهنا السخرية الأكبر: نقضي ساعات في كتابة تعليقات لا يقرؤها أحد، بينما نمر على عمق قصيدة بقلب لا نبالي. نتنافس في عدد الكلمات، وكأن الكثرة تغني عن الجودة. بل إن بعضنا يكتب تعليقاً أطول من المنشور نفسه، وكأنه يقول للكاتب: “شكراً على المقدمة، والآن اسمع خطابي”. كأننا في مسابقة: من يكتب أكثر، ومن يخسر المعنى أكثر.

والمفارقة الأطرف أننا نعلق على حياة الآخرين بكل هذا الحماس، بينما نمر على حياتنا نحن بلا تعليق. نكتب فقرات مطولة عن خطأ سياسي، ولا نكتب جملة عن حلم يراودنا. نناقش بشراسة صورة شخص لا نعرفه، ونتجاهل سؤالاً يوجهه إلينا قريب. كأن العالم الخارجي شاشة نتفاعل معها، وداخلنا غرفة مظلمة لا نريد إنارة.

كم من تعليق صادق تركناه لأنفسنا قبل أن نتركه للآخرين؟

التعليق الإلكتروني ديوان العصر الجديد، لكنه يكتب بالحبر الرقمي السائل. من أجاد كتابته كتب في سجل الضوء، ومن تهاون أثقل جدار الظل. وإذا لم تجد ما تقوله، فتذكر أن الصمت أحياناً أبلغ تعليق وأجمل رد. كم من كلمة أطفأت نجماً، وكم من صمت أضاء كوناً.

في النهاية، نحن نعلق على الحياة وكأنها منشور كبير. لكن ما هو التعليق الأهم الذي سنتركه على عمرنا حين ينتهي المنشور؟

ريم النقري