هذا النص لا يُقرأ بوصفه قصيدة فحسب، بل بوصفه شهادة ميلادٍ تتحدّى شروط الوجود ذاتها. الشاعرة مجيدة محمدي لا تكتب عن “حرّيّة” كفكرة مجرّدة، بل تُجسّدها ككائن حيّ، كطفلةٍ خرجت من رحم المستحيل، لتعيد تعريف العلاقة بين القيد والانبعاث.
منذ العنوان “نُطفة مُهرّبة”، نحن أمام مفارقة تأسيسية: الحياة هنا ليست نتيجة طبيعية، بل فعل مقاومة. التهريب—بما يحمله من سرّية وخطر—يتحوّل إلى وسيلة خلق، وكأن الشاعرة تقول إنّ الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع حتى من أكثر اللحظات هشاشة. هذا التوتر بين الضعف (نطفة) والقوة (حرّيّة) يظلّ خيطًا ناظمًا في كامل النص.
اللافت أنّ الصوت الشعري جاء بضمير الطفلة، لا الراوي الخارجي، ما يمنح النص براءةً مشوبةً بوعيٍ عميق. هذه “البراءة العارفة” تُنتج شعرية خاصة؛ إذ تتكلّم الطفلة بلغة تتجاوز عمرها، وكأنها تحمل ذاكرة جماعية، لا تجربة فردية فقط. عبارة “أنا ابنة المسافة، ابنة الرسائل التي لم تصل” تختزل مأساة الانقطاع، لكنها في الوقت ذاته تُعيد صياغته كهوية، لا كفقدٍ فقط.
تعتمد الشاعرة على صور طبيعية كثيفة (الضوء، الشقوق، الأشجار، الماء، الصخور)، لكنها لا تستخدمها للزينة البلاغية، بل كاستعارات وجودية: الولادة هنا تشبه خروج الماء من بين الصخور—أي أن الحياة تجد طريقها رغم القسوة، لا بفضلها. كذلك، صورة “الأشجار في الشقوق” تمنح النص بعدًا عنيدًا؛ فالنمو ليس في التربة الخصبة، بل في الهامش، في الضيق، في ما ظُنّ أنه غير قابل للحياة.
أجمل ما في النص هو تحوّل الحرية من “اسم” إلى “فعل”. حين تقول: “ليس حروفًا تُنادى، بل طريقٌ طويل”، فإنها تنقل المفهوم من مستوى اللغة إلى مستوى التجربة. الحرية ليست شعارًا، بل مسار شاق، إعادة ترتيب للعالم “على هيئة نافذة”. هذه العبارة تحديدًا تُكثّف الرؤية الشعرية للنص: النافذة ليست هروبًا، بل إعادة نظر، إعادة فتح لما أُغلق.
وفي المقطع الختامي، تبلغ القصيدة ذروتها الرمزية: الطفلة التي “لم تمشِ، بل امتدّت” تتحوّل إلى جذر وغصن في آنٍ واحد—تجذّر في الألم، وامتداد نحو الضوء. هذا التوازن بين الأسفل (الأب/التراب/الغياب) والأعلى (الأم/الضوء/الحضور) يمنح النص بنية عمودية عميقة، تربط الفقد بالأمل، والغياب بالاستمرار.
النهاية “لأُربك النهاية” ليست مجرد خاتمة، بل انقلاب على فكرة الحتمية. كأن الشاعرة تعلن أن كل سردية مغلقة قابلة للاختلال، وأن الحرية—حتى في أضعف صورها—قادرة على إعادة كتابة المصير.
باختصار، هذا نص يُراهن على أن الحب، حين يُحاصَر، لا يذبل… بل يتكثّف حتى يصير حياةً جديدة. وهو، في جوهره، قصيدة عن انتصار الممكن على ما يبدو مستحيلاً، وعن تلك القدرة الخفية للإنسان على أن يُهرّب الضوء من بين أكثر الجدران إحكامًا.
——————-
نُطفة مُهرّبة
| مجيدة محمدي
أنا طفلةٌ ، اسمي حرّيّة،
تسلّل إسمي إليّ ،كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ صغير
في جدارٍ أُحكم إغلاقه.
كنتُ نطفةً
هُربت من عيون الحراس،
و من ثقوب عُرى مفاتيح صدئةٍ
توهمت أنّها تُمسك بمصير الحياة،
السجان ظن
أنّ أبي إذا غاب خلف القضبان
سيتحوّل إلى ذكرى،
وأنّ أمّي إذا أُثقِلت بالفراق
ستنسى كيف تُنبت المعجزات،
لكنّه لم يكن يعرف
أنّ الحبّ حين يُحاصَر
يتحوّل إلى سرٍّ
أشدّ خصوبةً من الأرض .
أنا ابنةُ المسافة،
ابنةُ الرسائل التي لم تصل،
ابنةُ يدٍ ممدودةٍ في الحلم
لم تلمس يدًا
لكنّها لم تتراجع….
ولدتُ
كما تولد الأشجار في الشقوق،
كما يخرج الماء من بين الصخور
ولدتُ لأنّ المستحيل
أخطأ الحساب.
كبرتُ قليلًا،
فاكتشفتُ أنّ اسمي
ليس حروفًا تُنادى،
بل طريقٌ طويل،
وأنّ كلّ من ينطقني
يُعيد ترتيب العالم
على هيئة نافذة.
أنا حرّيّة،
لا تُقاسُ بطولِ غياب،
ولا تُهزمُ بتأجيل اللقاء،
أنا ذلك الاحتمال
الذي ظلّ مفتوحًا
رغم كلّ الأبواب المغلقة.
وحين وضعتُ قدمي
على هذه الأرض،
لم أمشِ،
بل امتدَدتُ—
جذرًا خفيًّا
يبحث عن أبي في عمق التراب،
وغصنًا طريًّا
يصافح وجه أمّي في الضوء.
أنا طفلة،
لكنّي أقدمُ من السجون،
وأقوى من الحراس،
وأشدُّ عنادًا من الحديد.
أنا حرّيّة،
وقد جئتُ
لأُربك النهاية.

More Stories
الريح تتجول عارية ” للشاعرة : أريج محمد أحمد _السودان
شَرفة المساء ” للشاعرة : وردة بوعفار _ الجزائر
شكوى الاغتراب ” للشاعرة : اشجان العراقي _ العراق