كانت أم ليلى امرأة تحمل في داخلها مزيجًا غريبًا من الادعاء والفراغ. تزوجت في شبابها من كاتب محترم، لكنه سرعان ما أدرك حقيقتها، فابتعد عنها، وكتب سيرته الذاتية دون أن يذكرها أو يذكر بناتها، وكأن وجودهن كان صفحة أراد أن يمحوها من تاريخه. كانت تدّعي دائمًا أنها كانت زوجة رجل صاحب منصب سياسي كبير، وتتباهى بعلاقات لا وجود لها إلا في خيالها. وعندما اطلع أمجد على نسخة من ذلك الكتاب، وجد نفسه أمام حقيقة لم يشك فيها لحظة: هذه المرأة لا تملك من الصدق سوى ادعائه.
لم تكن يومًا كما أرادت أن تُرى. كانت صورةً مصنوعةً من بريقٍ زائف، تتقن الظهور أكثر مما تتقن الوجود. عاشت عمرها تلهث خلف الضوء، لكنها لم تدرك أن الأضواء لا تُنير مَن لا جوهر له. كانت تمرّ بين الوجوه في الوسط الذي ظنّته فنًّا، تبحث عن تصفيقٍ يُسكِت فراغها، وعن عينٍ تُشبه في بريقها ما فقدته من نفسها.
لم تكن فنانة. كانت كومبارس عابر، يُملأ به الفراغ بين مشهدٍ وآخر. ومع ذلك، تعلّمت أن ترفع صوتها أكثر من أصحاب الموهبة، وأن تفرض حضورها بالصخب لا بالصدق. وحين لم تجد في موهبتها ما يشفع، صنعت لنفسها بطولةً من الوهم، وأقنعت نفسها أن الضوضاء نوعٌ من المجد.
كانت تتقن الدور الذي لا يحتاج إلى روح: التمثيل خارج الكاميرا. تُبدّل الملامح كما تُبدّل المواقف، وتغزل من الضعف حيلةً، ومن الحيلة طريقًا للنجاة. ولم يكن استغلالها مقصورًا على الوجوه أمام الكاميرا، بل امتدّ إلى من حولها. اعتادت أن تمدّ يدها لا طلبًا للعون، بل كمن يختبر سذاجة الآخرين. عاشت على حساب الثقة، تقترضها وتُنفقها كما تُنفق كلماتها في الهواء، بلا نيةٍ للردّ ولا خجلٍ من العاقبة.
ولم يكن لسانها بأهدأ من نواياها، فقد اعتادت أن تقتات على الفُحش كما يقتات الضعيف على الضوضاء. كانت سليطة الكلمة، حادّة الصوت، لا ترى في الحوار إلا ساحة حربٍ تُخرج فيها ما تعجز عن إخفائه من حقدٍ وضيق. ومن يختلف معها لا ينجو من قبح أسلوبها، إذ كانت تظن أن ارتفاع الصوت يُغني عن عمق الفكرة، وأن القذف دليلُ قوةٍ لا إفلاس.
وحين انكشف الأمر، لم تهتزّ فيها ندامة، لأنها لم تعرف يومًا معنى الخسارة — ففاقد القيمة لا يخشى ضياعها.
وفي لحظة البث تلك، حين سقط القناع، لم يكن سقوطًا مفاجئًا؛ كان تتويجًا لسقوطٍ قديم. انكشف صوتها أمام الجميع، لا لأنه ارتفع، بل لأنه انكسر. ورآها الناس أخيرًا على حقيقتها: امرأة احترفت الادعاء حتى صدّقت كذبها، ثم خذلها الكذب حين احتاجت إليه.
إنها لا تدرك أن الوهج لا يُشترى، وأن الضوء لا يرحم من استعار لمعانه. كانت تظن أن الكاميرا باب خلود، لكنها لم تفهم أن الخلود لا يليق إلا بمن صدق. فخرجت من المشهد كما دخلته — ظلًّا باهتًا، بلا ملامح، وبلا ذاكرة.
كانت أم ليلى تعيش لتُرى، ولم تُرَ إلا حين سقطت
كان أمجد قد عاد إلى القاهرة يحمل في صدره مزيجًا من الغضب والخذلان، يترقب ما ستبوح به الأيام من أسرار لم يكتمل فيها المشهد بعد.
وبعد أيامٍ قليلة، جاءه تفريغ الكاميرات المحيطة بالعمارة، يحمل ما يشبه الطعنة الممهورة بالتاريخ والساعة.
التاريخ: 29 نوفمبر، والوقت: السابعة وخمس وأربعون دقيقة مساءً.
وكان التاريخ صادمًا بالنسبة له، لأنه نفس يوم كتب كتابه على ليلى.
ذلك اليوم الذي ظنّه بداية حياة، فإذا به يحمل في طياته ختامها المرّ.
كم كان قاسيًا أن يرى بعينيه اليوم الذي شهد وعدًا بالوفاء، يتحول إلى دليلٍ على الخيانة!
وكأن القدر أراد أن يعيد التاريخ لا ليحتفل، بل ليكشف قذارتها وانحطاط اخلاقها ويؤكد أنها إنسانة عديمة الشرف
ظهر في التسجيل بسيم داخل سيارة هيونداي إلنترا كُحلية اللون، ينتظر أسفل منزل الزوجية الذي كان يومًا يجمع أمجد وليلى.
دقائق معدودة، وظهرت ليلى في كامل أناقتها، ترتدي ثوبًا داكنًا يشي بتصنّع الوقار أكثر مما يدل عليه، تمشي بخطواتٍ محسوبةٍ وكأنها تتجه نحو قدرٍ اختارته عن وعي.
تبادلت معه السلام باليد والقبلات، وابتسامةٌ جانبية لا تخلو من نشوةٍ خفية، ثم مضت السيارة إلى مكانٍ غير معلوم، تاركةً خلفها كل ما يمكن أن يُسمّى احترامًا أو ذمة.
ومع مرور الوقت، واختفاء ليلى التام، تزامنًا مع اختفاء بسيم من اليونان، لم يستبعد أمجد أن تكون ليلى قد تزوجت عرفيًا من بسيم وهي ما تزال على ذمته.
فهي لا تكترث بدينٍ ولا بمبدأ، وأمها أيضًا قد تكون شريكة في الجريمة الأخلاقية تلك.
فلطالما كانت تمجد ابنتها على صفحات التواصل الاجتماعي، تصفها بأنها “ذكية وموهوبة”، وهنا أدرك أمجد أن الذكاء والموهبة في قاموسهما لا تعنيان سوى إتقان صيد الفريسة.
وكانت أيضًا تصف ابنتها الكبرى بأنها “جهاز مخابرات قوي” وصاحبة المشورة وسند أمها، فتيقن أمجد أنه أمام تشكيلٍ عصابيٍّ عائليٍّ لا يُستهان به.
جلس أمجد طويلًا بعد تلك الصدمات المتلاحقة، يفكر بعقل بارد، وعينٍ فقدت الدهشة.
قرر أن يفرغ كاميرات العمارة نفسها، وخاصة الدور التاسع الذي كان يقطن فيه مع ليلى، حتى يتأكد إن كان بسيم قد دخل شقته بالفعل — رغم أنه لم يكن يحتاج إلى دليل بعد عثوره على السيجار داخل شقته.
تمكن من ذلك بالفعل، وبينما كان يراجع التسجيلات، توقّف فجأة…
كانت المفاجأة التي لم تخطر بباله، والتي ستقلب كل شيء
More Stories
المستشار على سالم يكتب : كل مقومات الصعوود
ما أصعبُ هذا الحب ” للشاعرة : انتصار احمد جويلى _ مصر
كتير عليه ” للشاعرة : راوية حسن _ مصر